الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

31

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ تعليل لنفي الريب أي لأنّ اللّه وعد بجمع الناس له ، فلا يخلف ذلك ، والمعنى : إنّ اللّه لا يخلف خبره ، والميعاد هنا اسم مكان . [ 10 ، 11 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 10 إلى 11 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 11 ) استئناف كلام ناشئ عن حكاية ما دعا به المؤمنون : من دوام الهداية ، وسؤال الرحمة ، وانتظار الفوز يوم القيامة ، بذكر حال الكافرين في ذلك اليوم ، على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة . وتعقيب دعاء المؤمنين ، بذكر حال المشركين ، إيماء إلى أنّ دعوتهم استجيبت . والمراد بالذين كفروا : المشركون ، وهذا وصف غالب عليهم في اصطلاح القرآن وقيل : الذين كفروا بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أريد هنا قريظة والنضير وأهل نجران ؛ ويرجّح هذا بأنّهم ذكّروا بحال فرعون دون حال عاد وثمود فإنّ اليهود والنصارى أعلق بأخبار فرعون . كما أنّ العرب أعلق بأخبار عاد وثمود ، وأنّ الردّ على النصارى من أهمّ أغراض هذه السورة . ويجوز أن يكون المراد جميع الكافرين : من المشركين ، وأهل الكتابين ، ويكون التذكير بفرعون لأنّ وعيد اليهود في هذه الآية أهم . ومعنى « تغني » تجزي وتكفي وتدفع ، وهو فعل قاصر يتعدّى إلى المفعول بعن نحو : « ما أغني ماليه » . ولدلالة هذا الفعل على الإجزاء والدفع ، كان مؤذنا بأنّ هنالك شيئا يدفع ضرّه ، وتكفى كلفته ، فلذلك قد يذكرون مع هذا الفعل متعلّقا ثانيا ويعدّون الفعل إليه بحرف ( من ) كما في هذه الآية . فتكون ( من ) للبدل والعوض على ما ذهب إليه في « الكشاف » ، وجعل ابن عطية ( من ) للابتداء . وقوله : مِنَ اللَّهِ أي من أمر يضاف إلى اللّه ؛ لأنّ تعليق هذا الفعل ، تعليقا ثانيا ، باسم ذات لا يقصد منه إلّا أخصّ حال اشتهرت به ، أو في الغرض المسوق له الكلام فيقدّر معنى اسم مضاف إلى اسم الجلالة . والتقدير هنا من رحمة اللّه ، أو من طاعته ، إذا كانت ( من ) للبدل وكذا قدّره في « الكشاف » ، ونظّره بقوله تعالى : وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [ النجم : 28 ] . وعلى جعل ( من ) للابتداء كما قال ابن عطية تقدّر من غضب اللّه ، أو من عذابه ، أي غناء مبتدئا من ذلك : على حدّ قولهم : نجّاه من كذا أي فصله منه ، ولا