الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

298

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأ الجمهور سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ بنون العظمة من ( سنكتب ) وبنصب اللام من ( قتلهم ) على أنّه مفعول ( نكتب ) و ( نقول ) بنون . وقرأه حمزة : سيكتب - بياء الغائب مضمومة وفتح المثناة الفوقية - مبنيّا للنائب لأنّ فاعل الكتابة معلوم وهو اللّه تعالى ، وبرفع اللام من ( قتلهم ) على أنه نائب الفاعل . ( ويقول ) بياء الغائب ، والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله : إِنَّ اللَّهَ . وعطف قوله : وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ زيادة في مذمّتهم بذكر مساوي أسلافهم ، لأنّ الذين قتلوا الأنبياء هم غير الذين قالوا : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ بل هم من أسلافهم ، فذكر هنا ليدلّ على أنّ هذه شنشنة قديمة فيهم ، وهي الاجتراء على الله ورسله ، واتّحاد الضمائر مع اختلاف المعاد طريقة عربية في المحامد والمذامّ التي تناط بالقبائل . قال الحجّاج في خطبته بعد يوم دير الجماجم يخاطب أهل العراق : ألستم أصحابي بالأهواز حين أضمرتم الشرّ واستبطنتم الكفر إلى أن قال : ثمّ يوم الزاوية وما يوم الزاوية . . إلخ ، مع أنّ فيهم من مات ومن طرأ بعد . وقوله : وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ عطف أثر الكتب على الكتب أي سيجازون عن ذلك بدون صفح ، وَنَقُولُ ذُوقُوا وهو أمر اللّه بأن يدخلوا النار . والذوق حقيقته إدراك الطّعوم ، واستعمل هنا مجازا مرسلا في الإحساس بالعذاب فعلاقته الإطلاق ، ونكتته أنّ الذوق في العرف يستتبع تكرّر ذلك الإحساس لأنّ الذوق يتبعه الأكل ، وبهذا الاعتبار يصحّ أن يكون « ذوقوا » استعارة . وقد شاع في كلام العرب إطلاق الذوق على الإحساس بالخير أو بالشرّ ، وورد في القرآن كثيرا . والإشارة في قوله : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ للعذاب المشاهد يومئذ ، وفيه تهويل للعذاب . والباء للسببية على أنّ هذا العذاب لعظم هوله ممّا يتساءل عن سببه . وعطف قوله : وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ على مجرور الباء ، ليكون لهذا العذاب سببان : ما قدّمته أيديهم ، وعدل اللّه تعالى ، فما قدّمت أيديهم أوجب حصول العذاب ، وعدل اللّه أوجب كون هذا العذاب في مقداره المشاهد من الشدّة حتّى لا يظنّوا أن في شدّته إفراطا عليهم في التعذيب . [ 183 ، 184 ]