الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
299
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 183 إلى 184 ] الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 183 ) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 184 ) أبدل الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ من الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [ آل عمران : 181 ] لذكر قولة أخرى شنيعة منهم ، وهي كذبهم على اللّه في أنّه عهد إليهم على ألسنة أنبيائهم أنّ لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان ، أي حتّى يذبح قربانا فتأكله نار تنزل من السماء ، فتلك علامة القبول ، وقد كان هذا حصل في زمن موسى عليه السلام حين ذبح أوّل قربان على النحو الذي شرعه الله لبني إسرائيل فخرجت نار من عند الرّب فأحرقته . كما في سفر اللاويين . إلّا أنه معجزة لا تطّرد لسائر الأنبياء كما زعمه اليهود لأنّ معجزات الرسل تجيء على ما يناسب تصديق الأمّة . وفي الحديث : « ما من الأنبياء نبيء إلّا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنّما كان الذي أوتيت وحيا أوحى اللّه إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » فقال اللّه تعالى لنبيّه : قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ . وهذا الضرب من الجدل مبنيّ على التسليم ، أي إذا سلّمنا ذلك فليس امتناعكم من اتّباع الإسلام لأجل انتظار هذه المعجزة فإنّكم قد كذّبتم الرسل الذين جاءوكم بها وقتلتموهم ، ولا يخفي أنّ التسليم يأتي على مذهب الخصم إذ لا شكّ أنّ بني إسرائيل قتلوا أنبياء منهم بعد أن آمنوا بهم ، مثل زكرياء ويحيى وأشعياء وأرمياء ، فالإيمان بهم أوّل الأمر يستلزم أنهم جاءوا بالقربان تأكله النار على قولهم ، وقتلهم آخرا يستلزم أنّ عدم الثبات على الإيمان بالأنبياء شنشنة قديمة في اليهود وأنّهم إنّما يتّبعون أهواءهم ، فلا عجب أن يأتي خلفهم بمثل ما أتى به سلفهم . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ظاهر في أنّ ما زعموه من العهد لهم بذلك كذب ومعاذير باطلة . وإنّما قال : وَبِالَّذِي قُلْتُمْ عدل إلى الموصول للاختصار وتسجيلا عليهم في نسبة ذلك لهم ونظيره قوله تعالى : وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً إلى قوله : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ [ مريم : 77 ، 80 ] أي نرث ماله وولده . ثم سلى اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « فإن كذّبوك فقد كذّب رسل من قبلك » والمذكور بعد