الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

294

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و ( من ) في قوله : مِنَ الطَّيِّبِ معناها الفصل أي فصل أحد الضدين من الآخر ، وهو معنى أثبته ابن مالك وبحث فيه صاحب « مغني اللبيب » ، ومنه قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وقد تقدّم القول فيه عند قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ في سورة البقرة [ 220 ] . وقيل : الخطاب بضمير ما أَنْتُمْ للكفار ، أي : لا يترك اللّه المؤمنين جاهلين بأحوالكم من النفاق . وقرأ الجمهور : يميز - بفتح ياء المضارعة وكسر الميم وياء تحتية بعدها ساكنة - من ماز يميز ، وقرأه حمزة ، والكسائي ويعقوب ، وخلف - بضمّ ياء المضارعة وفتح الميم وياء بعدها مشدّدة مكسورة - من ميّز مضاعف ماز . وقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عطف على قوله : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ يعني أنّه أراد أن يميز لكم الخبيث فتعرفوا أعداءكم ، ولم يكن من شأن اللّه اطلاعكم على الغيب ، فلذلك جعل أسبابا من شأنها أن تستفزّ أعداءكم فيظهروا لكم العداوة فتطلعوا عليهم ، وإنّما قال : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ لأنّه تعالى جعل نظام هذا العالم مؤسّسا على استفادة المسبّبات من أسبابها ، والنتائج من مقدّماتها . وقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ يجوز أنّه استدراك على ما أفاده قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ حتّى لا يجعله المنافقون حجّة على المؤمنين . في نفي الوحي والرسالة ، فيكون المعنى : وما كان اللّه ليطلعكم على الغيب إلّا ما أطلع عليه رسوله ومن شأن الرسول أن لا يفشي ما أسرّه اللّه إليه كقوله : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ، 27 ] الآية ، فيكون كاستثناء من عموم لِيُطْلِعَكُمْ . ويجوز أنّه استدراك على ما يفيده وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ من انتفاء اطّلاع أحد على علم اللّه تعالى فيكون كاستثناء من مفاد الغيب أي : إلّا الغيب الراجع إلى إبلاغ الشريعة ، وأمّا ما عداه فلم يضمن اللّه لرسله اطلاعهم عليه بل قد يطلعهم ، وقد لا يطلعهم ، قال تعالى : وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [ الأنفال : 60 ] . وقوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ إن كان خطابا للمؤمنين فالمقصود منه الإيمان الخاصّ ، وهو التصديق بأنّهم لا ينطقون عن الهوى ، وبأنّ وعد اللّه لا يخلف ، فعليهم الطاعة في الحرب وغيره أو أريد الدوام على الإيمان ، لأنّ الحالة المتحدّث عنها قد يتوقع