الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

288

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ثم الإشارة بقوله : ذلِكُمُ إمّا عائد إلى المقال فلفظ الشيطان على هذا مبتدأ ثان ، ولفظه مستعمل في معناه الحقيقي ، والمعنى : أنّ ذلك المقال ناشئ عن وسوسة الشيطان في نفوس الذين دبّروا مكيدة الإرجاف بتلك المقالة لتخويف المسلمين بواسطة ركب عبد القيس . وإمّا أن تعود الإشارة إلى النَّاسُ من قوله : قالَ لَهُمُ النَّاسُ لأن الناس مؤوّل بشخص ، أعني نعيم بن مسعود ، فالشيطان بدل أو بيان من اسم الإشارة وأطلق عليه لفظ شيطان على طريقة التشبيه البليغ . وقوله : يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ تقديره يخوّفكم أولياءه ، فحذف المفعول الأول لفعل ( يخوّف ) بقرينة قوله بعده : فَلا تَخافُوهُمْ فإنّ خوّف يتعدّى إلى مفعولين إذ هو مضاعف خاف المجرّد ، وخاف يتعدّى إلى مفعول واحد فصار بالتضعيف متعدّيا إلى مفعولين من باب كسا كما قال تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ * [ آل عمران : 28 ] . وضمير فَلا تَخافُوهُمْ على هذا يعود إلى أَوْلِياءَهُ وجملة وَخافُونِ معترضة بين جملة فَلا تَخافُوهُمْ وجملة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط مؤخّر تقدّم دليل جوابه ، وهو تذكير وإحماء لإيمانهم وإلا فقد علم أنّهم مؤمنون حقّا . [ 176 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 176 ] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 176 ) نهي للرسول عن أن يحزن من فعل قوم يحرصون على الكفر أي على أعماله ومعنى يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يتوغّلون فيه ويعجلون إلى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص ، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس ، فعبّر عن هذا المعنى بقوله : يُسارِعُونَ ، فقيل : ذلك من التضمين ضمّن يسارعون معنى يقعون ، فعدّي بفي ، وهي طريقة « الكشاف » وشروحه ، وعندي أنّ هذا استعارة تمثيلية : شبّه حال حرصهم وجدّهم في تفكير الناس وإدخال الشكّ على المؤمنين وتربّصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع إلى تحصيل شيء يخشى أن يفوته وهو متوغّل فيه متلبس به ، فلذلك عدّي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين ، لا طالب الحصول ، إذ هو حاصل عندهم ولو عدّي بإلى لفهم منه أنّهم لم يكفروا عند المسارعة . قيل : هؤلاء هم المنافقون ، وقيل :