الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
289
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قوم أسلموا ثم خافوا من المشركين فارتدّوا . وجملة إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم إلى الكفر بعلّة يوقن بها الرسول - عليه الصلاة والسلام - . وموقع إنّ في مثل هذا المقام إفادة التعليل ، وإنّ تغني غناء فاء التسبّب ، كما تقدّم غير مرّة . ونفي لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ مراد به نفي أن يعطّلوا ما أراده إذ قد كان اللّه وعد الرسول إظهار دينه على الدّين كلّه ، وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك ، نهي اللّه رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة ، وبيّن له أنّهم لن يستطيعوا إبطال مراد اللّه ، تذكيرا له بأنه وعده بأنّه متمّ نوره . ووجه الحاجة إلى هذا النهي : هو أنّ نفس الرسول ، وإن بلغت مرتقى الكمال ، لا تعدو أن تعتريها في بعض أوقات الشدّة أحوال النفوس البشرية : من تأثير مظاهر الأسباب ، وتوقّع حصول المسبّبات العادية عندها ، كما وقع للرسول صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر . وهو في العريش ، وإذا انتفى إضرارهم اللّه انتفى إضرارهم المؤمنين فيما وعدهم اللّه . وقرأ الجمهور : يحزنك - بفتح الياء وضمّ الزاي - من حزنه إذا أدخل عليه الحزن ، وقرأه نافع - بضم الياء وكسر الزاي - من أحزنه . وجملة يُرِيدُ اللَّهُ استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة ، بعد أن بيّن السلامة من كيدهم في الدنيا والمعنى : أنّ اللّه خذلهم وسلبهم التوفيق فكانوا مسارعين في الكفر لأنّه أراد أن لا يكون لهم حظّ في الآخرة . والحظّ : النصيب من شيء نافع . [ 177 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 177 ] إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 177 ) تكرير لجملة إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً قصد به ، مع التأكيد ، إفادة هذا الخبر استقلالا للاهتمام به بعد أن ذكر على وجه التعليل لتسلية الرسول . وفي اختلاف الصلتين إيماء إلى أنّ مضمون كل صلة منهما هو سبب الخبر الثابت لموصولها ، وتأكيد لقوله : إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً المتقدّم ، كقول لبيد : كدخان نار ساطع أسنامها بعد قوله :