الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
279
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعجّبهم من إصابة الهزيمة إيّاهم . ( ولمّا ) اسم زمان مضمّن معنى الشرط فيدلّ على وجود جوابه لوجود شرطه ، وهو ملازم الإضافة إلى جملة شرطه ، فالمعنى : قلتم لمّا أصابتكم مصيبة : أنّى هذا ، . وجملة قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها صفة « لمصيبة » ، ومعنى أصبتم غلبتم العدوّ ونلتم منه مثلي ما أصابكم به ، يقال : أصاب إذا غلب ، وأصيب إذا غلب ، قال قطريّ بن الفجاءة : ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب * جذع البصيرة قارح الإقدام والمراد بمثليها المساويان في الجنس أو القيمة باعتبار جهة المماثلة أي : أنّكم قد نلتم مثلي ما أصابكم ، والمماثلة هنا مماثلة في القدر والقيمة ، لا في الجنس ، فإنّ رزايا الحرب أجناس : قتل ، وأسر ، وغنيمة ، وأسلاب ، فالمسلمون أصابهم يوم أحد القتل : إذا قتل منهم سبعون ، وكانوا قد قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين ، فهذا أحد المثلين ، ثم إنّهم أصابوا من المشركين أسرى يوم بدر فذلك مثل آخر في المقدار إذ الأسير كالقتيل ، أو أريد أنّهم يوم أحد أصابوا قتلى إلّا أنّ عددهم أقلّ فهو مثل في الجنس لا في المقدار والقيمة . و ( أنّى ) استفهام بمعنى من أين قصدوا به التعجّب والإنكار ، وجملة قُلْتُمْ أَنَّى هذا جواب ( لمّا ) ، والاستفهام بأنّى هنا مستعمل في التعجّب . ثم ذيّل الإنكار والتعجّب بقوله : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي إنّ اللّه قدير على نصركم وعلى خذلانكم ، فلمّا عصيتم وجررتم لأنفسكم الغضب قدّر اللّه لكم الخذلان . [ 166 - 168 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 166 إلى 168 ] وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ( 166 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ( 167 ) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 168 ) عطف على قوله : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ [ آل عمران : 165 ] وهو كلام وارد على معنى التسليم أي : هبوا أنّ هذه مصيبة ، ولم يكن عنها عوض ، فهي بقدر اللّه ، فالواجب