الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
280
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التسليم ، ثم رجع إلى ذكر بعض ما في ذلك من الحكمة . وقوله : وَما أَصابَكُمْ أراد به عين المراد بقوله : أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ وهي مصيبة الهزيمة . وإنّما أعيد ما أصابكم ليعيّن اليوم بأنّه يوم التقى الجمعان . وما موصولة مضمّنة معنى الشرط كأنّه قيل : وأمّا ما أصابكم ، لأنّ قوله : وَما أَصابَكُمْ معناه بيان سببه وحكمته ، فلذلك قرن الخبر بالفاء . و يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ هو يوم أحد . وإنّما لم يقل وهي بإذن اللّه لأنّ المقصود إعلان ذكر المصيبة وأنّها بإذن اللّه إذ المقام مقام إظهار الحقيقة ، وأمّا التعبير بلفظ ما أَصابَكُمْ دون أن يعاد لفظ المصيبة فتفنّن ، أو قصد الإطناب . والإذن هنا مستعمل في غير معناه إذ لا معنى لتوجّه الإذن إلى المصيبة فهو مجاز في تخلية اللّه تعالى بين أسباب المصيبة وبين المصابين ، وعدم تدارك ذلك باللطف . ووجه الشبه أنّ الإذن تخلية بين المأذون ومطلوبه ومراده ، ذلك أنّ اللّه تعالى رتّب الأسباب والمسبّبات في هذا العالم على نظام ، فإذا جاءت المسبّبات من قبل أسبابها فلا عجب ، والمسلمون أقلّ من المشركين عددا وعددا فانتصار المسلمين يوم بدر كرامة لهم ، وانهزامهم يوم أحد عادة وليس بإهانة . فهذا المراد بالإذن . وقوله : وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ عطف على فَبِإِذْنِ اللَّهِ عطف العلّة على السبب . والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرّر في الخارج كقول إياس بن قبيصة الطائي : وأقبلت والخطّيّ يخطر بيننا * لأعلم من جبانها من شجاعها أراد لتظهر شجاعتي وجبن الآخرين . وقد تقدّم نظيره قريبا . و الَّذِينَ نافَقُوا هم عبد اللّه بن أبيّ ومن انخزل معه يوم أحد ، وهم الذين قيل لهم : تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا . قاله لهم عبد اللّه بن عمر بن حرام الأنصاري ، والد جابر بن عبد اللّه ، فإنّه لمّا رأى انخزالهم قال لهم : اتّقوا اللّه ولا تتركوا نبيئكم وقاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا . والمراد بالدفع حراسة الجيش وهو الرباط أي : ادفعوا عنّا من يريدنا من العدوّ فلمّا قال عبد اللّه بن عمر بن حرام ذلك أجابه عبد اللّه بن أبي وأصحابه بقولهم : لو نعلم قتالا لاتّبعناكم ، أي لم نعلم أنّه قتال ، قيل : أرادوا أنّ هذا ليس بقتال بل إلقاء باليد إلى التّهلكة ، وقيل : أرادوا أنّ قريشا لا ينوون القتال ، وهذا لا يصحّ إلّا لو كان قولهم هذا حاصلا قبل انخزالهم ، وعلى هذين فالعلم بمعنى التحقّق