الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
271
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المثل : « ما بين الرأيين رأي » . وقوله : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ التوكّل حقيقته الاعتماد ، وهو هنا مجاز في الشروع في الفعل مع رجاء السداد فيه من اللّه ، وهو شأن أهل الإيمان ، فالتوكّل انفعال قلبي عقلي يتوجّه به الفاعل إلى اللّه راجيا الإعانة ومستعيذا من الخيبة والعوائق ، وربّما رافقه قول لساني وهو الدعاء بذلك . وبذلك يظهر أن قوله : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ دليل على جواب إذا ، وفرع عنه ، والتقدير : فإذا عزمت فبادر ولا تتأخّر وتوكّل على اللّه ، لأنّ للتأخّر آفات ، والتردّد يضيّع الأوقات ، ولو كان التّوكل هو جواب إذا لما كان للشورى فائدة لأنّ الشورى كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل لحصول الفعل المرغوب على أحسن وجه وأقربه ، فإنّ القصد منها العمل بما يتّضح منها ، ولو كان المراد حصول التوكّل من أوّل خطور الخاطر ، لما كان للأمر بالشورى من فائدة . وهذه الآية أوضح آية في الإرشاد إلى معنى التّوكل الّذي حرف القاصرون ومن كان على شاكلتهم معناه ، فأفسدوا هذا الدين من مبناه . وقوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ لأنّ التوكّل علامة صدق الإيمان ، وفيه ملاحظة عظمة اللّه وقدرته ، واعتقاد الحاجة إليه ، وعدم الاستغناء عنه وهذا ، أدب عظيم مع الخالق يدلّ على محبّة العبد ربّه فلذلك أحبّه اللّه . [ 160 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 160 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) استئناف نشأ عن قوله : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ [ آل عمران : 157 ] أو عن قوله : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ [ آل عمران : 156 ] الآية . ولو حمل هذا الخبر على ظاهر الإخبار لكان إخبارا بأمر معلوم عند المخاطبين إذ هم مؤمنون ، ولا يجهل مؤمن أنّ اللّه إذا قدّر نصر أحد فلا رادّ لنصره ، وأنّه إذا قدّر خذله فلا ملجأ له من الهزيمة ، فإنّ مثل هذا المعنى محقّق في جانب اللّه لا يجهله معترف بإلهيته ، مؤمن بوحدانيته ، وهل بعد اعتقاد نفي الشريك عن اللّه في ملكه مجال لاعتقاد وجود ممانع له في إرادته ، فيتعيّن أن يكون هذا الخبر مرادا به غير ظاهر الإخبار ، وأحسن ما يحمل عليه أن يكون تقريرا لتسلية المؤمنين على ما أصابهم من الهزيمة ، حتّى لا يحزنوا على ما فات لأنّ ردّ الأمور إلى اللّه تعالى عند العجز عن تداركها مسلاة للنفس ، وعزاء