الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
272
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على المصيبة ، وفي ضمن ذلك تنبيه إلى أنّ نصر اللّه قوما في بعض الأيّام ، وخذله إيّاهم في بعضها ، لا يكون إلّا لحكم وأسباب ، فعليهم السعي في أسباب الرضا الموجب للنصر ، وتجنّب أسباب السخط الموجب للخذل كما أشار إليه قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [ محمد : 7 ] وقوله : فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [ آل عمران : 153 ] وقوله الآتي : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا [ آل عمران : 165 ] وعليهم التطلّب للأسباب الّتي قدر لهم النّصر لأجلها في مثل يوم بدر ، وأضدادها الّتي كان بها الخذل في يوم أحد ، وفي التفكير في ذلك مجال واسع لمكاشفات الحقائق والعلل والأسباب والحكم والمنافع والمضارّ على قدر سعة التفكير الجائل في ذلك ، ففي هذا الخبر العظيم إطلاق للأفكار من عقالها ، وزجّ بها في مسارح العبر ، ومراكض العظات ، والسابقون الجياد ، فالخبر مستعمل في لازم معناه وهو الحضّ على تحصيل ذلك . وعلى هذا الوجه تظهر مناسبة موقع هذا الاستئناف عقب ما تقدّمه : لأنّه بعد أن خاطبهم بفنون الملام والمعذرة والتسلية من قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [ آل عمران : 137 ] إلى هنا ، جمع لهم كلّ ذلك في كلام جامع نافع في تلقّي الماضي ، وصالح للعمل به في المستقبل ، ويجوز أن يكون الإخبار مبنيّا على تنزيل العالم منزلة الجاهل ، حيث أظهروا من الحرص على الغنيمة ومن التأوّل في أمر الرسول لهم في الثبات ، ومن التلهّف على ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجرح ، ما جعل حالهم كحال من يجهل أنّ النصر والخذل بيد اللّه تعالى . فالخبر مستعمل في معناه على خلاف مقتضى الظاهر . والنّصر : الإعانة على الخلاص من غلب العدوّ ومريد الإضرار . والخذلان ضدّه : وهو إمساك الإعانة مع القدرة ، مأخوذ من خذلت الوحشية إذا تخلفت عن القطيع لأجل عجز ولدها عن المشي . ومعنى إِنْ يَنْصُرْكُمُ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ إن يرد هذا لكم ، وإلّا لما استقام جواب الشرط الأوّل ، وهو فَلا غالِبَ لَكُمْ إذ لا فائدة في ترتيب عدم الغلب على حصول النصر بالفعل ، ولا سيما مع نفي الجنس في قوله : فَلا غالِبَ لَكُمْ ، لأنّه يصير من الإخبار بالمعلوم ، كما تقول : إن قمت فأنت لست بقاعد . وأمّا فعل الشرط الثّاني وهو : وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فيقدّر كذلك حملا على نظيره ، وإن كان يستقيم المعنى بدون تأويل فيه . وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] الآية .