الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

264

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قالوا فترتّب على قولهم أن كان ذلك حسرة في قلوبهم ، فيكون قوله : لِيَجْعَلَ على هذا الوجه من صلة ( الّذين ) ، ومن جملة الأحوال المشبّه بها ، فيعلم أنّ النّهي عن التّشبّه بهم فيها لما فيها من الضرّ . والحسرة : شدّة الأسف أي الحزن ، وكان هذا حسرة عليهم لأنّهم توهّموا أنّ مصابهم نشأ عن تضييعهم الحزم ، وأنّهم لو كانوا سلكوا غير ما سلكوه لنجوا فلا يزالون متلهّفين على ما فاتهم . والمؤمن يبذل جهده فإذا خاب سلّم لحكم القدر . وقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تحذير لهم من أن يضمروا العود إلى ما نهوا عنه . [ 157 ، 158 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 157 إلى 158 ] وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 157 ) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ( 158 ) ذكر ترغيبا وترهيبا ، فجعل الموت في سبيل اللّه والموت في غير سبيل اللّه ، إذا أعقبتهما المغفرة خيرا من الحياة وما يجمعون فيها ، وجعل الموت والقتل في سبيل اللّه وسيلة للحشر والحساب فليعلم أحد بما ذا يلاقي ربّه . والواو للعطف على قوله : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وعلى قوله : وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ [ آل عمران : 156 ] . واللام في قوله : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ موطّئة للقسم أي مؤذنة بأنّ قبلها قسما مقدّرا ، ورد بعده شرط فلذلك لا تقع إلّا مع الشرط . واللام في قوله : لَمَغْفِرَةٌ هي لام جواب القسم . والجواب هو قوله : لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ لظهور أنّ التقدير : لمغفرة ورحمة لكم . وقرأه نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف : متّم - بكسر الميم - على لغة الحجاز لأنّهم جعلوا ماضيه مثل خاف ، اعتبروه مكسور العين وجعلوا مضارعه من باب قام فقالوا : يموت ، ولم يقولوا : يمات ، فهو من تداخل اللغتين . وأمّا سفلى مضر فقد جاءوا به في الحالين من باب : قام فقرأوه : متّم . وبها قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب . وقرأ الجمهور ، مما تجمعون - بتاء الخطاب - وقرأ حفص عن عاصم - بياء الغائب - على أنّ الضّمير عائد إلى المشركين أي خير لكم من غنائم المشركين الّتي جمعوها وطمعتم أنتم في غنمها . وقدّم القتل في الأولى والموت في الثانية اعتبارا بعطف ما يظنّ أنّه أبعد عن الحكم فإنّ كون القتل في سبيل اللّه سببا للمغفرة أمر قريب ، ولكن كون الموت في غير السبيل مثل ذلك أمر خفي مستبعد ، وكذلك تقديم الموت في الثّانية لأنّ القتل في سبيل اللّه قد