الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

265

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يظنّ أنّه بعيد عن أن يعقبه الحشر ، مع ما فيه من التفنّن ، ومن ردّ العجز على الصدر وجعل القتل مبدأ الكلام وعوده . [ 159 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 159 ] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) الفاء للتفريع على ما اشتمل عليه الكلام السابق الّذي حكي فيه مخالفة طوائف لأمر الرسول من مؤمنين ومنافقين ، وما حكي من عفو اللّه عنهم فيما صنعوا . ولأنّ في تلك الواقعة المحكية بالآيات السابقة مظاهر كثيرة من لين النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم للمسلمين ، حيث استشارهم في الخروج ، وحيث لم يثرّبهم على ما صنعوا من مغادرة مراكزهم ، ولمّا كان عفو اللّه عنهم يعرف في معاملة الرّسول إيّاهم ، ألان اللّه لهم الرسول تحقيقا لرحمته وعفوه ، فكان المعنى : ولقد عفا اللّه عنهم برحمته فلان لهم الرسول بإذن اللّه وتكوينه إيّاه راحما ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] . والباء للمصاحبة ، أي لنت مع رحمة اللّه : إذ كان لينه في ذلك كلّه لينا لا تفريط معه لشيء من مصالحهم ، ولا مجاراة لهم في التساهل في أمر الدّين ، فلذلك كان حقيقا باسم الرحمة . وتقديم المجرور مفيد للحصر الإضافي ، أي : برحمة من اللّه لا بغير ذلك من أحوالهم ، وهذا القصر مفيد التعريض بأنّ أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم ، ولكن اللّه ألان خلق رسوله رحمة بهم ، لحكمة علمها اللّه في سياسة هذه الأمّة . وزيدت ( ما ) بعد باء الجرّ لتأكيد الجملة بما فيه من القصر ، فتعيّن بزيادتها كون التّقديم للحصر ، لا لمجرد الاهتمام ، ونبّه عليه في « الكشاف » . واللين هنا مجاز في سعة الخلق مع أمّة الدعوة والمسلمين ، وفي الصفح عن جفاء المشركين ، وإقالة العثرات . ودلّ فعل المضيّ في قوله : لِنْتَ على أنّ ذلك وصف تقرّر وعرف من خلقه ، وأنّ فطرته على ذلك برحمة من اللّه إذ خلقه كذلك و اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] ، فخلق الرسول مناسب لتحقيق حصول مراد اللّه تعالى من إرساله ، لأنّ الرسول يجيء بشريعة يبلّغها عن اللّه تعالى ، فالتبليغ متعيّن لا مصانعة فيه ، ولا يتأثّر بخلق الرسول ، وهو أيضا مأمور بسياسة أمّته بتلك الشريعة ، وتنفيذها فيهم ،