الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
258
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
العدوّ . حتّى نشأ عنه ما نشأ ، وتعريض بأنّ الخروج للقتال يوم أحد خطأ وغرور ، ويظنّون أنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم ليس برسول إذ لو كان لكان مؤيّدا بالنصر . والقول في هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ بدل اشتمال من جملة يَظُنُّونَ لأنّ ظنّ الجاهلية يشتمل على معنى هذا القول . ومعنى لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أي من شأن الخروج إلى القتال ، أو من أمر تدبير النّاس شيء ، أي رأي ما قتلنا هاهنا ، أي ما قتل قومنا . وليس المراد انتفاء القتل مع الخروج إلى القتال في أحد ، بل المراد انتفاء الخروج إلى أحد الّذي كان سببا في قتل من قتل ، كما تدلّ عليه قرينة الإشارة بقوله : ( هاهنا ) ، فالكلام كناية . وهذا القول قاله عبد اللّه بن أبي ابن سلول لمّا أخبروه بمن استشهد من الخزرج يومئذ ، وهذا تنصّل من أسباب الحرب وتعريض بالنّبيء ومن أشار بالخروج من المؤمنين الّذين رغبوا في إحدى الحسنيين . وإنّما كان هذا الظنّ غير الحقّ لأنّه تخليط في معرفة صفات اللّه وصفات رسوله وما يجوز وما يستحيل ، فإنّ للّه أمرا وهديا وله قدر وتيسير ، وكذلك لرسوله الدعوة والتشريع وبذل الجهد في تأييد الدّين وهو في ذلك معصوم ، وليس معصوما من جريان الأسباب الدنيوية عليه ، ومن أن يكون الحرب بينه وبين عدوّه سجالا ، قال أبو سفيان لهرقل وقد سأله : كيف كان قتالكم له ؟ فقال أبو سفيان : ينال منّا وننال منه ، فقال هرقل : وكذلك الإيمان حتّى يتمّ . فظنّهم ذلك ليس بحقّ . وقد بيّن اللّه تعالى أنّه ظنّ الجاهلية الّذين لم يعرفوا الإيمان أصلا فهؤلاء المتظاهرون بالإيمان لم يدخل الإيمان في قلوبهم فبقيت معارفهم كما هي من عهد الجاهلية ، والجاهلية صفة جرت على موصوف محذوف يقدّر بالفئة أو الجماعة ، وربما أريد به حالة الجاهلية في قولهم أهل الجاهلية ، وقوله تعالى : تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ، والظاهر أنّه نسبة إلى الجاهل أي الّذي لا يعلم الدين والتّوحيد ، فإنّ العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم ، قال ابن الرومي : بجهل كجهل السيف والسيف منتضى * وحلم كحلم السيف والسيف مغمد