الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
259
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأطلقت الجهل على عدم العلم قال السموأل . فليس سواء عالم وجهول وقال النابغة : وليس جاهل شيء مثل من علما وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن ، وصف به أهل الشرك تنفيرا من الجهل ، وترغيبا في العلم ، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذمّ في نحو قوله : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [ المائدة : 50 ] وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى [ الأحزاب : 33 ] إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [ الفتح : 26 ] . وقال ابن عبّاس : سمعت أبي في الجاهلية يقول : اسقنا كأسا دهاقا ، وفي حديث حكيم بن حزام : أنّه سأل النّبيء صلى اللّه عليه وسلم عن أشياء كان يتحنّث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم . وقالوا : شعر الجاهلية ، وأيّام الجاهلية . ولم يسمع ذلك كلّه إلّا بعد نزول القرآن وفي كلام المسلمين . وقوله : غَيْرَ الْحَقِّ منتصب على أنّه مفعول يَظُنُّونَ كأنّه قيل الباطل . وانتصب قوله : ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ على المصدر المبيّن للنوع إذ كلّ أحد يعرف عقائد الجاهلية إن كان متلبّسا بها أو تاركا بها . وجملة يُخْفُونَ حال من الضّمير في يَقُولُونَ أي يقولون ذلك في حال نيّتهم غير ظاهره ، ف يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ إعلان بنفاقهم ، وأنّ قولهم : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ وقولهم : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا هو وإن كان ظاهره صورة العتاب عن ترك مشورتهم فنيّتهم منه تخطئة النّبيء في خروجه بالمسلمين إلى أحد ، وأنّهم أسدّ رأيا منه . وجملة يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ بدل اشتمال من جملة يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ إذ كانوا قد قالوا ذلك فيما بينهم ولم يظهروه ، أو هي بيان لجملة يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ إذا أظهروا قولهم للمسلمين ، فترجع الجملة إلى معنى بدل الاشتمال من جملة يَظُنُّونَ لأنها لما بينت جملة هي بدل فهي أيضا كالتي بينتها ، وهذا أظهر لأجل قوله بعده : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ فإنّه يقتضي أنّ تلك القالة فشت وبلغت الرسول ، ولا يحسن كون جملة يَقُولُونَ لَوْ كانَ إلى آخره مستأنفة خلافا لما في « الكشاف » .