الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

24

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بكر رضي اللّه عنه : « أيّ أرض تقلّني وأيّ سماء تظلّني إن قلت في كتاب اللّه بما لا أعلم » . وجاء في زمن عمر - رضي اللّه عنه - رجل إلى المدينة من البصرة ، يقال له صبيغ بن شريك أو ابن عسل التميمي « 1 » فجعل يسأل الناس عن متشابه القرآن ، وعن أشياء فأحضره عمر ، وضربه ضربا موجعا ، وكرّر ذلك أياما ، فقال : « حسبك يا أمير المؤمنين فقد ذهب ما كنت أجد في رأسي » ثم أرجعه إلى البصرة وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته . ومن السلف من تأوّل عند عروض الشبهة لبعض الناس ، كما فعل ابن عباس فيما ذكرناه آنفا . قال ابن العربي في « العواصم من القواصم » - « من الكائدين للإسلام الباطنية والظاهرية » . قلت : أمّا الباطنية فقد جعلوا معظم القرآن متشابها ، وتأوّلوه بحسب أهوائهم ، وأمّا الظاهريون فقد أكثروا في متشابهه ، واعتقدوا سبب التشابه واقعا ، فالأوّلون دخلوا في قوله : وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ، والأخيرون خرجوا من قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أو وما يعلم تأويله إلا اللّه ، فخالفوا الخلف والسلف . قال ابن العربي - « في العواصم » - « وأصل الظاهريين الخوارج الذين قالوا : لا حكم إلّا للّه » يعني أنّهم أخذوا بظاهر قوله تعالى : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ * ولم يتأولوه بما هو المراد من الحكم . والمراد بالراسخين في العلم : الذين تمكّنوا في علم الكتاب ، ومعرفة محامله ، وقام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد اللّه تعالى ، بحيث لا تروج عليهم الشبه . والرسوخ في كلام العرب : الثبات والتمكن في المكان ، يقال : رسخت القدم ترسخ رسوخا إذا ثبتت عند المشي ولم تتزلزل ، واستعير الرسوخ لكمال العقل والعلم بحيث لا تضلّله الشبه ، ولا تتطرقه الأخطاء غالبا ، وشاعت هذه الاستعارة حتى صارت كالحقيقة . فالراسخون في العلم : الثابتون فيه العارفون بدقائقه ، فهم يحسنون مواقع التأويل ، ويعلمونه . ولذا فقوله : وَالرَّاسِخُونَ معطوف على اسم الجلالة ، وفي هذا العطف تشريف عظيم : كقوله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [ آل عمران : 18 ] وإلى هذا التفسير مال ابن عباس ، ومجاهد ، والربيع بن سليمان ، والقاسم بن محمد ،

--> ( 1 ) صبيغ بصاد مهملة وباء موحدة وتحتية وغين معجمة بوزن أمير - وعسل - بعين مهملة مكسورة وسين مهملة ساكنة .