الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
25
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والشافعية ، وابن فورك ، والشيخ أحمد القرطبي ، وابن عطية ، وعلى هذا فليس في القرآن آية استأثر اللّه بعلمها . ويؤيّد هذا أن اللّه أثبت للراسخين في العلم فضيلة . ووصفهم بالرسوخ ، فآذن بأنّ لهم مزية في فهم المتشابه : لأنّ المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم الكلام ، ففي أيّ شيء رسوخهم ، وحكى إمام الحرمين ، عن ابن عباس : أنّه قال في هاته الآية : « أنا ممّن يعلم تأويله » . وقيل : الوقف على قوله : إِلَّا اللَّهُ وإنّ جملة وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مستأنفة ، وهذا مروي عن جمهور السلف ، وهو قول ابن عمر ، وعائشة ، وابن مسعود ، وأبي ، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية ، وقاله عروة بن الزبير ، والكسائي ، والأخفش والفرّاء ، والحنفية ، وإليه مال فخر الدين . ويؤيّد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم ؛ فإنّه دليل بيّن على أنّ الحكم الذي أثبت لهذا الفريق ، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضلات ، وهو تأويل المتشابه ، على أنّ أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل ، فيكون الراسخون معطوفا على اسم الجلالة فيدخلون في أنّهم يعلمون تأويله . ولو كان الراسخون مبتدأ وجملة : « يقولون آمنّا به » خبرا ، لكان حاصل هذا الخبر ممّا يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم ، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة . قال ابن عطية : « تسميتهم راسخين تقتضي أنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب ، وفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلّا ما يعلمه الجميع وما الرسوخ إلّا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدة » وما ذكرناه وذكره ابن عطية لا يعد وأن يكون ترجيحا لأحد التفسيرين ، وليس إبطالا لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما يستقيم تأويله ، وما لا مطمع في تأويله . وفي قوله : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ إشعار بأنّ الراسخين يعلمون تأويل المتشابه . واحتجّ أصحاب الرأي الثاني ، وهو رأي الوقف على اسم الجلالة : بأنّ الظاهر أن يكون جملة ( والراسخون ) مستأنفة لتكون معادلا لجملة : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ، والتقدير : وأمّا الراسخون في العلم . وأجاب التفتازاني بأنّ المعادل لا يلزم أن يكون مذكورا ، بل قد يحذف لدلالة الكلام عليه . واحتجّوا أيضا بقوله تعالى : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا قال الفخر : لو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهذا الكلام فائدة ؛ إذ