الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
236
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ أي رأيتم الموت ، ومعنى رؤيته مشاهدة أسبابه المحقّقة ، الّتي رؤيتها كمشاهدة الموت ، فيجوز أن يكون قوله : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ تمثيلا ، ويجوز أن تطلق الرؤية على شدّة التوقّع ، كإطلاق الشمّ على ذلك في قول الحارث بن هشام المخزومي : وشممت ريح الموت من تلقائهم * في مأزق والخيل لم تتبدّد وكإطلاقه في قول ابن معد يكرب يوم القادسية : فضمّني ضمّة وجدت منها ريح الموت . والفاء في قوله : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ فاء الفصيحة عن قوله : كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ والتقدير : وأجبتم إلى ما تمنّيتم فقد رأيتموه ، أو التقدير : فإن كان تمنّيكم حقّا فقد رأيتموه ، والمعنى : فأين بلاء من يتمنّى الموت ، كقول عباس بن الأحنف : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا * ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا ومنه قوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ [ الفرقان : 19 ] وقوله في سورة الروم [ 56 ] : فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ . وجملة وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ حال مؤكّدة لمعنى رَأَيْتُمُوهُ ، أو هو تفريع أي : رأيتم الموت وكان حظّكم من ذلك النظر ، دون الغناء في وقت الخطر ، فأنتم مبهوتون . ومحلّ الموعظة من الآية : أنّ المرء لا يطلب أمرا حتّى يفكّر في عواقبه ، ويسبر مقدار تحمّله لمصائبه . ومحلّ المعذرة في قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ وقوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ وقوله : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ومحلّ الملام في قوله : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . ويحتمل أن يكون قوله : تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ بمعنى تتمنّون موت الشهادة في سبيل اللّه فقد رأيتم مشارفة الموت إياكم ، وأنتم تنظرون من مات من إخوانكم ، أي فكيف وجدتم أنفسكم حين رأيتم الموت ، وكأنّه تعريض بهم بأنّهم ليسوا بمقام من يتمنّى الشهادة . إذ قد جبنوا وقت الحاجة ، وخفّوا إلى الغنيمة ، فالكلام ملام محض على هذا ، وليس تمنّي الشهادة بملوم عليه ، ولكن اللّوم على تمنّي ما لا يستطيع كما قيل : ( إذ لم تستطع شيئا فدعه ) . كيف وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ولوددت أنّي أقتل في سبيل اللّه ، ثمّ أحيا ثمّ أقتل ثمّ أحيا ، ثمّ أقتل » . وقال عمر : اللّهم إنّي أسألك شهادة في سبيلك » وقال ابن رواحة : لكنّني أسأل الرّحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا