الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
237
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حتّى يقولوا إذا مرّوا على جدثي * أرشدك اللّه من غاز وقد رشدا وعلى هذا الاحتمال فالضّمير راجع إلى الموت ، بمعنى أسبابه ، تنزيلا لرؤية أسبابه منزلة رؤيته ، وهو كالاستخدام ، وعندي أنّه أقرب من الاستخدام لأنّه عاد إلى أسباب الموت باعتبار تنزيلها منزلة الموت . [ 144 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 144 ] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) عطف الإنكار على الملام المتقدّم في قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [ آل عمران : 142 ] وقوله : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ [ آل عمران : 143 ] وكلّ هاته الجمل ترجع إلى العتاب والتقريع على أحوال كثيرة ، كانت سبب الهزيمة يوم أحد ، فيأخذ كلّ من حضر الوقعة من هذا الملام بنصيبه المناسب لما يعلمه من حاله ظاهرا كان أم باطنا . والآية تشير إلى ما كان من المسلمين من الاضطراب حين أرجف بموت الرّسول صلى اللّه عليه وسلم فقال المنافقون : لو كان نبيّا ما قتل ، فارجعوا إلى دينكم القديم وإخوانكم من أهل مكّة ونكلّم عبد اللّه بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ، فهمّوا بترك القتال والانضمام للمشركين ، وثبت فريق من المسلمين ، منهم : أنس بن النضر الأنصاري ، فقال : إن كان قتل محمد فإنّ ربّ محمد حيّ لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعده ، فقاتلوا على ما قاتل عليه . ومحمد اسم رسول اللّه محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلى اللّه عليه وسلم سمّاه به جدّه عبد المطلب وقيل له : لم سمّيته محمّدا وليس من أسماء آبائك ؟ فقال : رجوت أن يحمده النّاس . وقد قيل : لم يسمّ أحد من العرب محمدا قبل رسول اللّه . ذكر السهيلي في « الروض » أنّه لم يسمّ به من العرب قبل ولادة رسول اللّه إلّا ثلاثة : محمد بن سفيان بن مجاشع ، جدّ جدّ الفرزدق ، ومحمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي . ومحمد بن حمران من ربيعة . وهذا الاسم منقول من اسم مفعول حمّده تحميدا إذا أكثر من حمده ، والرسول فعول بمعنى مفعول مثل قولهم : حلوب وركوب وجزور . ومعنى خَلَتْ مضت وانقرضت كقوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [ آل عمران : 137 ]