الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
23
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويفضون بذلك إلى خلافات وتعصّبات . وكلّ من يتأوّل المتشابه على هواه ، بغير دليل على تأويله مستند إلى دليل واستعمال عربي . وقد فهم أنّ المراد : التأويل بحسب الهوى ، أو التأويل الملقي في الفتنة ، بقرينة قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ الآية ، كما فهم من قوله : فَيَتَّبِعُونَ أنّهم يهتمّون بذلك ، ويستهترون به ، وهذا ملاك التفرقة بين حال من يتيع المتشابه للإيقاع في الشك والإلحاد ، وبين حال من يفسّر المتشابه ويؤوّله إذا دعاه داع إلى ذلك . وفي « البخاري » - عن سعيد بن جبير - أنّ رجلا قال لابن عباس : « إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ » قال : ما هو - قال : « فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون » - وقال - « وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون » وقال : « ولا يكتمون اللّه حديثا » وقال : « قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين » قال ابن عباس : « فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، فأما قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] فإن اللّه يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون : تعالوا نقل : « ما كنا مشركين ، فيختم اللّه على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك لا يكتمون اللّه حديثا » . وأخرج البخاري ، عن عائشة : قالت « تلا رسول اللّه هذه الآية إلى قوله : أُولُوا الْأَلْبابِ [ البقرة : 269 ] - قالت - قال رسول اللّه : فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم اللّه فاحذروهم » . ويقصد من قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ التعريض بنصارى نجران ، إذ ألزموا المسلمين بأنّ القرآن يشهد لكون اللّه ثالث ثلاثة بما يقع في القرآن من ضمير المتكلم ومعه غيره من نحو خلقنا وأمرنا وقضينا ، وزعموا أنّ ذلك الضمير له وعيسى ومريم ولا شك أنّ هذا - إن صح عنهم - هو تمويه ؛ إذ من المعروف أنّ في ذلك الضمير طريقتين مشهورتين إما إرادة التشريك أو إرادة التعظيم فما أرادوا من استدلالهم هذا إلا التمويه على عامة الناس . وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . جملة حال أي وهم لا قبل لهم بتأويله ؛ إذ ليس تأويله لأمثالهم ، كما قيل في المثل : « ليس بعشّك فادرجي » . ومن هنا أمسك السلف عن تأويل المتشابهات ، غير الراجعة إلى التشريع ، فقال أبو