الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
220
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 133 إلى 134 ] وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ . قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر سارِعُوا دون واو عطف . تتنزّل جملة سارِعُوا . . منزلة البيان ، أو بدل الاشتمال ، لجملة وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لأنّ طاعة اللّه والرّسول مسارعة إلى المغفرة والجنّة فلذلك فصلت . ولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنّة يؤول إلى الأمر بالأعمال الصّالحة جاز عطف الجملة على الجملة الأمر بالطّاعة ، فلذلك قرأ بقية العشرة وَسارِعُوا . بالعطف وفي هذه الآية ما ينبئنا بأنّه يجوز الفصل والوصل في بعض الجمل باعتبارين . والسرعة المشتقّ منها سارعوا مجاز في الحرص والمنافسة والفور إلى عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة والجنة ، ويجوز أن تكون السرعة حقيقة ، وهي سرعة الخروج إلى الجهاد عند النفير كقوله في الحديث : « وإذا استنفرتم فانفروا » . والمسارعة ، على التقادير كلّها تتعلّق بأسباب المغفرة وأسباب دخول الجنة ، فتعليقها بذات المغفرة والجنة من تعليق الأحكام بالذوات على إرادة أحوالها عند ظهور عدم الفائدة في التعلّق بالذات . وجيء بصيغة المفاعلة ، مجرّدة عن معنى حصول الفعل من جانبين ، قصد المبالغة في طلب الإسراع ، والعرب تأتي بما يدلّ في الوضع على تكرّر الفعل وهم يريدون التأكيد والمبالغة دون التكرير ، ونظيره التثنية في قولهم : لبيك وسعديك ، وقوله تعالى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [ الملك : 4 ] . وتنكير ( مغفرة ) ووصلها بقوله : مِنْ رَبِّكُمْ مع تأتّي الإضافة بأن يقال إلى مغفرة ربّكم ، لقصد الدّلالة على التّعظيم ، ووصف الجنة بأنّ عرضها السماوات والأرض على طريقة التشبيه البليغ ، بدليل التّصريح بحرف التّشبيه في نظيرتها في آية سورة الحديد . والعرض في كلام العرب يطلق على ما يقابل الطول ، وليس هو المراد هنا ، ويطلق على الاتّساع لأنّ الشيء العريض هو الواسع في العرف بخلاف الطويل غير العريض فهو ضيق ، وهذا كقول العديل : ودون يد الحجّاج من أن تنالني * بساط بأيدي الناعجات عريض