الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

221

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وذكر السماوات والأرض جار على طريقة العرب في تمثيل شدّة الاتّساع . وليس المراد حقيقة عرض السماوات والأرض ليوافق قول الجمهور من علمائنا بأن الجنّة مخلوقة الآن ، وأنّها في السماء ، وقيل : هو عرضها حقيقة ، وهي مخلوقة الآن لكنّها أكبر من السماوات وهي فوق السماوات تحت العرش ، وقد روي : العرش سقف الجنة . وأما من قال : إن الجنّة لم تخلق الآن وستخلق يوم القيامة ، وهو قول المعتزلة وبعض أهل السنّة منهم منذر بن سعيد البلّوطي الأندلسي الظاهري ، فيجوز عندهم أن تكون كعرض السماوات والأرض بأن تخلق في سعة الفضاء الّذي كان يملؤه السماوات والأرض أو في سعة فضاء أعظم من ذلك . وأدلّة الكتاب والسنّة ظاهرة في أنّ الجنّة مخلوقة ، وفي حديث رؤيا رآها النّبيء صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الحديث الطويل الذي فيه قوله : « إنّ جبريل وميكاييل قالا له : ارفع رأسك ، فرفع فإذا فوقه مثل السحاب ، قالا : هذا منزلك ، قال : فقلت : دعاني أدخل منزلي ، قالا : إنّه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك » . أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) . أعقب وصف الجنّة بذكر أهلها لأنّ ذلك ممّا يزيد التّنويه به ، ولم يزل العقلاء يتخيّرون حسن الجوار كما قال أبو تمام : من مبلغ أفناء يعرب كلّها * أني بنيت الجار قبل المنزل وجملة أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ استئناف بياني لأنّ ذكر الجنّة عقب ذكر النّار الموصوفة بأنّها أعدّت للكافرين يثير في نفوس السامعين أن يتعرّفوا من الذين أعدّت لهم : فإن أريد بالمتّقين أكمل ما يتحقّق فيه التّقوى ، فإعدادها لهم لأنّهم أهلها - فضلا من اللّه تعالى - الّذين لا يلجون النار أصلا - عدلا من اللّه تعالى - فيكون مقابل قوله : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ آل عمران : 131 ] ، ويكون عصاة المؤمنين غير التّائبين قد أخذوا بحظّ من الدارين ، لمشابهة حالهم حال الفريقين عدلا من اللّه وفضلا ، وبمقدار الاقتراب من أحدهما يكون الأخذ بنصيب منه ، وأريد المتّقون في الجملة فالإعداد لهم باعتبار أنّهم مقدّرون من أهلها في العاقبة . وقد أجرى على المتّقين صفات ثناء وتنويه ، هي ليست جماع التّقوى ، ولكن اجتماعها في محلّها مؤذن بأنّ ذلك المحلّ الموصوف بها قد استكمل ما به التقوى ، وتلك هي مقاومة الشحّ المطاع ، والهوى المتّبع .