الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

22

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الذين لا زيغ في قلوبهم بطريق المقابلة ثم سيصرّح بإجمال حال المهتدين في تلقّي ومتشبهات القرآن . والقلوب محالّ الإدراك ، وهي العقول ، وتقدّم ذلك عند قوله تعالى : وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ في سورة البقرة [ 283 ] . والزيغ : الميل والانحراف عن المقصود : ما زاغَ الْبَصَرُ [ النجم : 17 ] ويقال : زاغت الشمس . فالزيغ أخصّ من الميل ؛ لأنّه ميل عن الصواب والمقصود . والاتّباع هنا مجاز عن الملازمة والمعاودة ، أي يعكفون على الخوض في المتشابه ، يحصونه ، شبهت تلك الملازمة بملازمة التابع متبوعه . وقد ذكر علة الاتّباع ، وهو طلب الفتنة ، وطلب أن يؤوّلوه ، وليس طلب تأويله في ذاته بمذمّة ، بدليل قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ كما سنبيّنه وإنّما محلّ الذم أنّهم يطلبون تأويلا ليسوا أهلا له فيؤوّلونه بما يوافق أهواءهم . وهذا ديدن الملاحدة وأهل الأهواء : الذين يتعمّدون حمل الناس على متابعتهم تكثيرا لسوادهم . ولما وصف أصحاب هذا المقصد بالزيغ في قلوبهم ، علمنا أنّه ذمهم بذلك لهذا المقصد ، ولا شك أنّ كل اشتغال بالمتشابه إذا كان مفضيا إلى هذا المقصد يناله شيء من هذا الذم . فالذين اتّبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله المنافقون ، والزنادقة ، والمشركون مثال تأويل المشركين : قصة العاصي بن وائل - من المشركين - إذ جاءه خباب بن الأرت - من المسلمين - يتقاضاه أجرا ، فقال العاصي - متهكّما به - « وإنّي لمبعوث بعد الموت - أي حسب اعتقادكم - فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد » فالعاصي توهّم ، أو أراد الإيهام ، أنّ البعث بعد الموت رجوع إلى الدنيا ، أو أراد أن يوهم دهماء المشركين ذلك ليكون أدعى إلى تكذيب الخبر بالبعث ، بمشاهدة عدم رجوع أحد من الأموات ، ولذلك كانوا يقولون : فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الدخان : 36 ] . ومثال تأويل الزنادقة : ما حكاه محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي قال : كنت بمكة حين كان الجنّابي - زعيم القرامطة - بمكة ، وهم يقتلون الحجاج ، ويقولون : أليس قد قال لكم محمد المكي « ومن دخله كان آمنا فأيّ أمن هنا ؟ » قال : فقلت له : هذا خرج في صورة الخبر ، والمراد به الأمر أي ومن دخله فأمّنوه ، كقوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [ البقرة : 228 ] . والذين شابهوهم في ذلك كلّ قوم يجعلون البحث في المتشابه ديدنهم ،