الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
593
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تجاوز لأمّتي عمّا حدثتها به أنفسها » وأحسن كلام فيه ما يأتلف من كلامي المازري وعياض ، في شرحيهما « لصحيح مسلم » : وهو - مع زيادة بيان - أنّ ما يخطر في النفس إن كان مجرّد خاطر وتردّد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ، إذ لا طاقة للمكلّف بصرفه عنه ، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عمّا حدّثت به أنفسها ، وإن كان قد جاش في النفس عزم ، فإما أن يكون من الخواطر التي تترتّب عليها أفعال بدنية أو لا ، فإن كان من الخواطر التي لا تترتّب عليها أفعال : مثل الإيمان ، والكفر ، والحسد ، فلا خلاف في المؤاخذة به ؛ لأنّ مما يدخل في طوق المكلّف أن يصرفه عن نفسه ، وإن كان من الخواطر التي تترتّب عليها آثار في الخارج ، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال كمن يعزم على السرقة فيسرق ، وإن عزم عليه ورجع عن فعله اختيارا لغير مانع منعه ، فلا خلاف في عدم المؤاخذة به وهو مورد حديث « من همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة » وإن رجع لمانع قهره على الرجوع ففي المؤاخذة به قولان . أي إنّ قوله تعالى : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ محمول على معنى يجازيكم وأنّه مجمل تبيّنه موارد الثواب والعقاب في أدلة شرعية كثيرة ، وإنّ من سمّى ذلك نسخا من السلف فإنّما جرى على تسمية سبقت ضبط المصطلحات الأصولية فأطلق النّسخ على معنى البيان وذلك كثير في عبارات المتقدّمين وهذه الأحاديث ، وما دلّت عليه دلائل قواعد الشريعة ، هي البيان لمن يشاء في قوله تعالى : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ . وفي « صحيح البخاري » عن ابن عباس « أنّ هذه الآية نسخت بالتي بعدها » أي بقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] كما سيأتي هنالك . وقد تبيّن بهذا أنّ المشيئة هنا مترتّبة على أحوال المبدى والمخفى ، كما هو بيّن . وقرأ الجمهور : فيغفر ويعذّب بالجزم ، عطفا على يحاسبكم ، وقرأه ابن عامر ، وعاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب : بالرفع على الاستئناف بتقدير فهو يغفر ، وهم وجهان فصيحان ، ويجوز النصب ولم يقرأ به إلا في الشاذ . وقوله : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل لما دلّ على عموم العلم ، بما يدلّ على عموم القدرة . [ 285 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 285 ] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 )