الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

594

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قال الزجاج : « لما ذكر اللّه في هذه السورة أحكاما كثيرة ، وقصصا ، ختمها بقوله : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ تعظيما لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأتباعه ، وتأكيدا وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل » . يعني : أنّ هذا انتقال من المواعظ ، والإرشاد ، والتشريع ، وما تخلّل ذلك : ممّا هو عون على تلك المقاصد ، إلى الثناء على رسوله والمؤمنين في إيمانهم بجميع ذلك إيمانا خالصا يتفرّع عليه العمل ؛ لأنّ الإيمان بالرسول والكتاب ، يقتضي الامتثال لما جاء به من عمل . فالجملة استئناف ابتدائي وضعت في هذا الموقع لمناسبة ما تقدم ، وهو انتقال مؤذن بانتهاء السورة لأنّه لما انتقل من أغراض متناسبة إلى غرض آخر : هو كالحاصل والفذلكة ، فقد أشعر بأنّه استوفى تلك الأغراض . وورد في أسباب النزول أنّ قوله : آمَنَ الرَّسُولُ يرتبط بقوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [ البقرة : 284 ] كما تقدم آنفا . وأل في الرسول للعد . وهو علم بالغلبة على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في وقت النزول قال تعالى : وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ [ التوبة : 13 ] . و الْمُؤْمِنُونَ معطوف على الرَّسُولُ ، والوقف عليه . والمؤمنون - هنا - لقب للذين استجابوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلذلك كان في جعله فاعلا لقوله : آمَنَ فائدة ، مع أنّه لا فائدة في قولك : قام القائمون . وقوله : كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ جمع بعد التفصيل ، وكذلك شأن ( كلّ ) إذا جاءت بعد ذكر متعدّد في حكم ، ثم إرادة جمعه في ذلك ، كقول الفضل بن عباس اللّهبي ، بعد أبيات : كلّ له نيّة في بغض صاحبه * بنعمة اللّه نقليكم وتقلونا وإذ كانت ( كلّ ) من الأسماء الملازمة الإضافة فإذا حذف المضاف إليه نوّنت تنوين عوض عن مفرد كما نبّه عليه ابن مالك في « التسهيل » . ولا يعكر عليه أنّ ( كل ) اسم معرب لأنّ التنوين قد يفيد الغرضين فهو من استعمال الشيء في معنييه . فمن جوّز أن يكون عطف الْمُؤْمِنُونَ عطف جملة وجعل الْمُؤْمِنُونَ مبتدأ وجعل كُلٌّ مبتدأ ثانيا و آمَنَ خبره ، فقد شذّ عن الذوق العربي . وقرأ الجمهور وَكُتُبِهِ بصيغة جمع كتاب ، وقرأه حمزة ، والكسائي : وكتابه ، بصيغة المفرد على أنّ المراد القرآن أو جنس الكتاب . فيكون مساويا لقوله : وَكُتُبِهِ ، إذ المراد