الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
592
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جملة على جملة ، والمعنى : إنكم عبيده ، وهو محاسبكم ، ونظيرها في المعنى قوله تعالى : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [ الملك : 13 ، 14 ] ولا يخالف بينهما إلّا أسلوب نظم الكلام . ومعنى الاستدلال هنا : إنّ الناس قد علموا أنّ اللّه ربّ السماوات والأرض ، وخالق الخلق ، فإذا كان في السماوات والأرض للّه ، مخلوقا له ، لزم أن يكون جميع ذلك معلوما له لأنّه مكوّن ضمائرهم وخواطرهم ، وعموم علمه تعالى بأحوال مخلوقاته من تمام معنى الخالقية والربوبية ؛ لأنّه لو خفي عليه شيء لكان العبد في حالة اختفاء حاله عن علم اللّه مستقلا عن خالقه . ومالكية اللّه تعالى أتمّ أنواع الملك على الحقيقة كسائر الصفات الثابتة للّه تعالى ، فهي الصفات على الحقيقة من الوجود الواجب إلى ما اقتضاه وجوب الوجود من صفات الكمال . فقوله : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تمهيد لقوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ الآية . وعطف قوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ بالواو دون الفاء للدلالة على أنّ الحكم الذي تضمّنه مقصود بالذات ، وأنّ ما قبله كالتمهيد له . ويجوز أن يكون قوله : وَإِنْ تُبْدُوا عطفا على قوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [ البقرة : 283 ] ويكون قوله : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ اعتراضا بينهما . وإبداء ما في النفس : إظهاره ، وهو إعلانه بالقول ، فيما سبيله القول ، وبالعمل فيما يترتّب عليه عمل ؛ وإخفاؤه بخلاف ذلك ، وعطف أَوْ تُخْفُوهُ للترقّي في الحساب عليه ، فقد جاء على مقتضى الظاهر في عطف الأقوى على الأضعف ، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات . وما في النفي يعمّ الخير والشر . والمحاسبة مشتقّة من الحسبان وهو العدّ ، فمعنى يحاسبكم في أصل اللغة : يعدّه عليكم ، إلّا أنّه شاع إطلاقه على لازم المعنى وهو المؤاخذة والمجازاة كما حكى اللّه تعالى : [ الشعراء : 113 ] وشاع هذا في اصطلاح الشرع ، ويوضّحه هنا قوله : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ . وقد أجمل اللّه تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة : ليكون المؤمنون بين الخوف والرجاء ، فلا يقصّروا في اتّباع الخيرات النفيسة والعملية ، إلّا أنّه أثبت غفرانا وتعذيبا بوجه الإجمال على كلّ ممّا نبديه وما نخفيه . وللعلماء في معنى هذه الآية ، والجمع بينها وبين قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة » . وقوله : « إن اللّه