الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
590
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الروايتين ، وهي ترجع إلى حمل المجمل على المبيّن . وقال النووي : تأوّله بعض العلماء بأنّ ذم الشهادة قبل أن يسألها الشاهد هو في الشهادة بحقوق الناس بخلاف ما فيه حق اللّه قال النووي : « وهذا الجمع هو مذهب أصحابنا » وهذه طريقة ترجع إلى إعمال كل من الحديثين في باب ، بتأويل كلّ من الحديثين على غير ظاهره ؛ لئلا يلغى أحدهما . قلت : وبنى عليه الشافعية فرعا بردّ الشهادة التي يؤدّيها الشاهد قبل أن يسألها ، ذكره الغزالي في « الوجيز » ، والذي نقل ابن مرزوق في « شرح مختصر خليل عن الوجيز » « الحرص على الشهادة بالمبادرة قبل الدعوى لا تقبل ، وبعد الدعوى وقبل الاستشهاد وجهان فإن لم تقبل فهل يصير مجروحا وجهان » . فأما المالكية فقد اختلف كلامهم . فالذي ذهب إليه عياض وابن مرزوق أنّ أداء الشاهد شهادته قبل أن يسألها مقبول لحديث « الموطأ » « خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها » ونقل الباجي عن مالك : « أنّ معنى الحديث أن يكون عند الشاهد شهادة لرجل لا يعلم بها ، فيخبره بها ، ويؤدّيها له عند الحاكم » فإنّ مالكا ذكره في « الموطأ » ولم يذيّله بما يقتضي أنّه لا عمل عليه - وتبع الباجي ابن مرزوق في « شرحه لمختصر خليل » ، وادّعى أنّه لا يعرف في المذهب ما يخالفه والذي ذهب إليه ابن الحاجب ، وخليل ، وشارحو مختصريهما : أنّ أداء الشهادة قبل أن يطلب من الشاهد أداؤها مانع من قبولها : قال ابن الحاجب « وفي الأداء يبدأ به دون طلب فيما تمحّض من حق الآدمي قادحة » وقال خليل - عاطفا على موانع قبول الشهادة - : « أو رفع قبل الطلب في محض حقّ الآدمي » . وكذلك ابن راشد القفصي في كتابه « الفائق في الأحكام والوثائق » ونسبه النووي في « شرحه على صحيح مسلم لمالك » ، وحمله على أنّ المستند متّحد وهو إعمال حديث أبي هريرة ولعلّه أخذ نسبة ذلك لمالك من كلام ابن الحاجب المتقدّم . وادّعى ابن مرزوق أنّ ابن الحاجب تبع ابن شاس إذ قال : « فإن بادر بها من غير طلب لم يقبل » وأنّ ابن شاس أخذه من كلام الغزالي قال : « والذي تقتضيه نصوص المذهب أنّه إنّ رفعها قبل الطلب لم يقدح ذلك فيها بل إن لم يكن فعله مندوبا فلا أقلّ من أن لا تردّ » واعتضد بكلام الباجي في شرح حديث : خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها .