الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

574

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الخدري في ملإ من الأنصار . والعدد هو اثنان في المعاملات المالية كما هنا . وقوله : فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ أي لم يكن الشاهدان رجلين ، أي بحيث لم يحضر المعاملة رجلان بل حضر رجل واحد ، فرجل وامرأتان يشهدان . فقوله : فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ جواب الشرط ، وهو جزء جملة حذف خبرها لأنّ المقدر أنسب بالخبرية - ودليل المحذوف قوله : وَاسْتَشْهِدُوا - وقد فهم المحذوف فكيفما قدّرته ساغ لك . وجيء في الآية بكان الناقصة مع التمكّن من أن يقال فإن لم يكن رجلان لئلّا يتوهم منه أنّ شهادة المرأتين لا تقبل إلّا عند تعذّر الرجلين كما توهّمه قوم ، وهو خلاف قول الجمهور لأنّ مقصود الشارع التوسعة على المتعاملين . وفيه مرمى آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة إذ كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشؤون ، فجعل اللّه المرأتين مقام الرجل الواحد وعلّل ذلك بقوله : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ، وهذه حيطة أخرى من تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسيان لأنّ المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلّة بحسب الغالب ، والضلال هنا بمعنى النسيان . وقوله : أَنْ تَضِلَّ قرأه الجمهور بفتح همزة أن على أنّه محذوف منه لام التعليل كما هو الغالب في الكلام العربي مع أن ، والتعليل في هذا الكلام ينصرف إلى ما يحتاج فيه إلى أن يعلّل لقصد إقناع المكلّفين ، إذ لا نجد في هذه الجملة حكما قد لا تطمئنّ إليه النفوس إلّا جعل عوض الرجل الواحد بامرأتين اثنتين فصرح بتعليله . واللام المقدرة قبل أن متعلقة بالخبر المحذوف في جملة جواب الشرط إذ التقدير فرجل وامرأتان يشهدان أو فليشهد رجل وامرأتان ، وقرءوه بنصب فَتُذَكِّرَ عطفا على أَنْ تَضِلَّ ، وقرأه حمزة بكسر الهمزة على اعتبار إن شرطية وتضلّ فعل الشرط ، وبرفع تذكر على أنّه خبر مبتدأ محذوف بعد الفاء لأنّ الفاء تؤذن بأنّ ما بعدها غير مجزوم والتقدير فهي تذكّرها الأخرى على نحو قوله تعالى : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [ المائدة : 95 ] . ولما كان « أن تضلّ » في معنى لضلال إحداهما صارت العلّة في الظاهر هي الضلال ، وليس كذلك بل العلّة هي ما يترتّب على الضلال من إضاعة المشهود به ، فتفرّع عليه قوله : فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى لأنّ فتذكّر معطوف على تضلّ بفاء التعقيب فهو من تكملته ، والعبرة بآخر الكلام كما قدمناه في قوله تعالى : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ [ البقرة : 266 ] ، ونظيره كما في « الكشاف » أن تقول : أعددت الخشبة أن