الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

575

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يميل الحائط فأدعّمه ، وأعددت السلاح أن يجيء عدوّ فأدفعه . وفي هذا الاستعمال عدول عن الظاهر وهو أن يقال : أن تذكر إحداهما الأخرى عند نسيانها . ووجّهه صاحب « الكشاف » بأنّ فيه دلالة على الاهتمام بشأن التذكير حتى صار المتكلم يعلّل بأسبابه المفضية إليه لأجل تحصيله . وادّعى ابن الحاجب في أماليه على هذه الآية بالقاهرة سنة ست عشرة وستمائة : أنّ من شأن لغة العرب إذا ذكروا علة - وكان للعلة علة - قدّموا ذكر علة العلة وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء لتحصل الدلالتان معا بعبارة واحدة . ومثّله بالمثال الذي مثّل به « الكشاف » ، وظاهر كلامه أنّ ذلك ملتزم ولم أره لغيره . والذي أراه أنّ سبب العدول في مثله أنّ العلة تارة تكون بسيطة كقولك : فعلت كذا إكراما لك ، وتارة تكون مركّبة من دفع ضر وجلب نفع بدفعه . فهنالك يأتي المتكلم في تعليله بما يدل على الأمرين في صورة علة واحدة إيجازا في الكلام كما في الآية والمثالين . لأنّ المقصود من التعدد خشية حصول النسيان للمرأة المنفردة ، فلذا أخذ بقولها حقّ المشهود عليه وقصد تذكير المرأة الثانية إياها ، وهذا أحسن مما ذكره صاحب « الكشاف » . وفي قوله : فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى إظهار في مقام الإضمار لأنّ مقتضى الظاهر أن يقول فتذكّرها الأخرى ، وذلك أن الإحدى والأخرى وصفان مبهمان لا يتعيّن شخص المقصود بهما ، فكيفما وضعتهما في موضعي الفاعل والمفعول كان المعنى واحدا ، فلو أضمر للإحدى ضمير المفعول لكان المعاد واضحا سواء كان قوله إحداهما - المظهر - فاعلا أو مفعولا به ، فلا يظنّ أن كون لفظ إحداهما المظهر في الآية فاعلا ينافي كونه إظهارا في مقام الإضمار لأنّه لو أضمر لكان الضمير مفعولا ، والمفعول غير الفاعل كما قد ظنّه التفتازاني لأنّ المنظور إليه في اعتبار الإظهار في مقام الإضمار هو تأتي الإضمار مع اتّحاد المعنى . وهو موجود في الآية كما لا يخفى . ثم نكتة الإظهار هنا قد تحيّرت فيها أفكار المفسرين ولم يتعرّض لها المتقدمون ، قال التفتازاني في « شرح الكشاف » : « ومما ينبغي أن يتعرض له وجه تكرير لفظ إحداهما ، ولا خفاء في أنّه ليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكّرة هي الناسية إلّا أن يجعل إحداهما الثانية في موقع المفعول ، ولا يجوز ذلك لتقديم المفعول في موضع الإلباس ، ويصح أن يقال : فتذكرها الأخرى ، فلا بد للعدول من نكتة » . وقال العصام في « حاشية البيضاوي » « نكتة التكرير أنّه كان فصل التركيب أن تذكّر إحداهما الأخرى إن