الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
549
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اللّه تعالى : وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 275 ] وقال تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [ البقرة : 276 ] . ثم عطف إلى خطاب المسلمين فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ * [ البقرة : 278 ] الآيات ، ولعلّ بعض المسلمين لم ينكفّ عن تعاطي الربا أو لعلّ بعضهم فتن بقول الكفار : إنّما البيع مثل الربا . فكانت آية سورة آل عمران مبدأ التحريم ، وكانت هذه الآية إغلاق باب المعذرة في أكل الربا وبيانا لكيفية تدارك ما سلف منه . والربا يقع على وجهين : أحدهما السلف بزيادة على ما يعطيه المسلف ، والثاني السلف بدون زيادة إلى أجل ، يعني فإذا لم يوف المستسلف أداء الدين عند الأجل كان عليه أن يزيد فيه زيادة يتّفقان عليها عند حلول كل أجل . وقوله : لا يَقُومُونَ حقيقة القيام النهوض والاستقلال ، ويطلق مجازا على تحسّن الحال ، وعلى القوة ، من ذلك قامت السوق ، وقامت الحرب . فإن كان القيام المنفي هنا القيام الحقيقي فالمعنى : لا يقومون - يوم يقوم الناس لرب العالمين - إلّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان ، أي إلّا قياما كقيام الذي يتخبّطه الشيطان ، وإن كان القيام المجازي فالمعنى إما على أنّ حرصهم ونشاطهم في معاملات الربا كقيام المجنون تشنيعا لجشعهم ، قاله ابن عطية ، ويجوز على هذا أن يكون المعنى تشبيه ما يعجب الناس من استقامة حالهم ، ووفرة مالهم ، وقوة تجارتهم ، بما يظهر من حال الذي يتخبّطه الشيطان حتى تخاله قويا سريع الحركة ، مع أنّه لا يملك لنفسه شيئا . فالآية على المعنى الحقيقي وعيد لهم بابتداء تعذيبهم من وقت القيام للحساب إلى أن يدخلوا النار ، وهذا هو الظاهر وهو المناسب لقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ، وهي على المعنى المجازي تشنيع ، أو توعّد بسوء الحال في الدنيا ولقي المتاعب ومرارة الحياة تحت صورة يخالها الرائي مستقيمة . والتخبّط مطاوع خبطه إذا ضربه ضربا شديدا فاضطرب له ، أي تحرّك تحرّكا شديدا ، ولما كان من لازم هذا التحرّك عدم الاتّساق ، أطلق التخبّط على اضطراب الإنسان من غير اتّساق . ثم إنّهم يعمدون إلى فعل المطاوعة فيجعلونه متعدّيا إلى مفعول إذا أرادوا الاختصار ، فعوضا عن أنّ يقولوا خبطه فتخبّط يقولون تخبّطه كما قالوا : اضطرّه إلى كذا . فتخبّط الشيطان المرء جعله إياه متخبّطا ، أي متحرّكا على غير اتّساق . والذي يتخبّطه الشيطان هو المجنون الذيب أصابه الصرع . فيضطرب به اضطرابات ،