الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

550

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويسقط على الأرض إذا أراد القيام ، فلما شبهت الهيئة بالهيأة جيء في لفظ الهيئة المشبه بها بالألفاظ الموضوعة للدلالة عليها في كلامهم وإلّا لما فهمت الهيئة المشبّه بها ، وقد عرف ذلك عندهم . قال الأعشى يصف ناقته بالنشاط وسرعة السير ، بعد أن سارت ليلا كاملا : وتصبح عن غب السري وكأنّها * ألمّ بها من طائف الجنّ أولق « 1 » والمسّ في الأصل هو اللمس باليد كقولها « 2 » : « المسّ مس أرنب » ، وهو إذا أطلق معرّفا بدون عهد مسّ معروف دل عندهم على مسّ الجن ، فيقولون : رجل ممسوس أي مجنون ، وإنّما احتيج إلى زيادة قوله من المسّ ليظهر المراد من تخبّط الشيطان فلا يظنّ أنّه تخبّط مجازي بمعنى الوسوسة . و ( من ) ابتدائية متعلقة بيتخبّطه لا محالة . وهذا عند المعتزلة جار على ما عهده العربي مثل قوله : « طلعها كأنّه رؤوس الشياطين » ، وقول امرئ القيس : ومسنونة زرق كأنياب أغوال إلّا أنّ هذا أثره مشاهد وعلته متخيّلة والآخران متخيّلان لأنّهم ينكرون تأثير الشياطين بغير الوسوسة . وعندنا هو أيضا مبني على تخييلهم والصرع إنّما يكون من علل تعتري الجسم مثل فيضان المرّة عند الأطبّاء المتقدمين وتشنّج المجموع العصبي عند المتأخرين ، إلّا أنّه يجوز عندنا أن تكون هاته العلل كلّها تنشأ في الأصل من توجّهات شيطانية ، فإنّ عوالم المجرّدات - كالأرواح - لم تنكشف أسرارها لنا حتى الآن ولعلّ لها ارتباطات شعاعية هي مصادر الكون والفساد . وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا الإشارة إلى كَما يَقُومُ لأنّ ما مصدرية ، والباء سببية . والمحكيّ عنهم بقوله : قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ، إن كان قولا لسانيا فالمراد به قول بعضهم أو قول دعاتهم وهم المنافقون بالمدينة ، ظنّوا بسوء فهمهم أنّ تحريم الربا

--> ( 1 ) يريد أنها بعد أن تسري الليل تصبح نشيطة لشدة قوتها بحيث لا يقل نشاطها . والغب بكسر الغين بمعنى عقب . وطائف الجن ما يحيط بالإنسان من الصرع والاضطراب قال تعالى : إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا . والأولق اسم مس الجن والفعل منه أولق بالبناء للمجهول . ( 2 ) في حديث أم زرع من « صحيح البخاري » .