الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
536
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا وعيد قوبل به الوعد الذي كنّي عنه بقوله : فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ، والمراد بالظالمين المشركون علنا والمنافقون ، لأنّهم إن منعوا الصدقات الواجبة فقد ظلموا مصارفها في حقّهم في المال وظلموا أنفسهم بإلقائها في تبعات المنع ، وإن منعوا صدقة التطوّع فقد ظلموا أنفسهم بحرمانها من فضائل الصدقات وثوابها في الآخرة . والأنصار جمع نصير ، ونفي الأنصار كناية عن نفي النصر والغوث في الآخرة وهو ظاهر ، وفي الدنيا لأنّهم لما بخلوا بنصرهم الفقير بأموالهم فإنّ اللّه يعدمهم النصير في المضائق ، ويقسي عليهم قلوب عباده ، ويلقي عليهم الكراهية من الناس . [ 271 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 271 ] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 ) استئناف بياني ناشئ عن قوله : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [ البقرة : 270 ] ، إذ أشعر تعميم « من نفقة » بحال الصدقات الخفيّة فيتساءل السامع في نفسه هل إبداء الصدقات يعد رياء وقد سمع قبل ذلك قوله : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ [ البقرة : 264 ] ، ولأنّ قوله : فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [ البقرة : 270 ] قد كان قولا فصلا في اعتبار نيّات المتصدّقين وأحوال ما يظهرونه منها وما يخفونه من صدقاتهم . فهذا الاستئناف يدفع توهّما من شأنه تعطيل الصدقات والنفقات ، وهو أن يمسك المرء عنها إذا لم يجد بدّا من ظهورها فيخشى أن يصيبه الرياء . والتعريف في قوله : الصَّدَقاتِ * تعريف الجنس ، ومحمله على العموم فيشمل كل الصدقات فرضها ونفلها ، وهو المناسب لموقع هذه الآية عقب ذكر أنواع النفقات . وجاء الشرط بأن في الصدقتين لأنّها أصل أدوات الشرط ، ولا مقتضى للعدول عن الأصل ، إذ كلتا الصدقتين مرض للّه تعالى ، وتفضيل صدقة السرّ قد وفي به صريح قوله : فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ * . وقوله : فَنِعِمَّا أصله فنعم ما ، فأدغم المثلان وكسرت عين نعم لأجل التقاء الساكنين ، وما في مثله نكرة تامة أي متوغّلة في الإبهام لا يقصد وصفها بما يخصّصها ، فتمامها من حيث عدم اتباعها بوصف لا من حيث إنّها واضحة المعنى ، ولذلك تفسّر بشيء . ولما كانت كذلك تعيّن أن تكون في موضع التمييز لضمير نعم المرفوع المستتر ، فالقصد منه التنبيه على القصد إلى عدم التمييز حتى إنّ المتكلم - إذا ميّز - لا يميّز إلّا