الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
537
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بمثل المميّز . وقوله هِيَ * مخصوص بالمدح ، أي الصدقات ، وقد علم السامع أنّها الصدقات المبدأة ، بقرينة فعل الشرط ، فلذلك كان تفسير المعنى فنعما إبداؤهما . وقرأ ورش عن نافع وابن كثير وحفص ويعقوب فنعمّا - بكسر العين وتشديد الميم من نعم مع ميم ما - . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين . وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بكسر النون واختلاس حركة العين بين الكسر والسكون . وقرأه أبو جعفر بكسر النون وسكون العين مع بقاء تشديد الميم ، ورويت هذه أيضا عن قالون وأبي عمرو وأبي بكر . وقوله : وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ تفضيل لصدقة السرّ لأنّ فيها إبقاء على ماء وجه الفقير ، حيث لم يطّلع عليه غير المعطي . وفي الحديث الصحيح ، عد من السبعة الذين يظلّهم اللّه بظلّه « . . . ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه » ، ( يعني مع شدّة القرب بين اليمين والشمال ؛ لأنّ حساب الدراهم ومناولة الأشياء بتعاونهما ، فلو كانت الشمال من ذوات العلم لما اطلعت على ما أنفقته اليمين ) . وقد فضّل اللّه في هذه الآية صدقة السرّ على صدقة العلانية على الإطلاق ، فإن حملت الصدقات على العموم - كما هو الظاهر - إجراء للفظ الصدقات مجرى لفظ الإنفاق في الآي السابقة واللّاحقة - كان إخفاء صدقة الفرض والنفل أفضل ، وهو قول جمهور العلماء ، وعن الكيا الطّبري أنّ هذا أحد قول الشافعي . وعن المهدوي : كان الإخفاء أفضل فيهما في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم ساءت ظنون الناس بالناس فاستحسن العلماء إظهار صدقة الفرض ، قال ابن عطية : وهذا مخالف للآثار أنّ إخفاء الصدقة أفضل . فيكون عموم الصدقات في الآية مخصوصا بصدقة التطوّع ، ومخصّص العموم الإجماع ، وحكى ابن العربي الإجماع عليه . وإن أريد بالصدقات في الآية غير الزكاة كان المراد بها أخصّ من الإنفاق المذكور في الآي قبلها وبعدها ، وكان تفضيل الإخفاء مختصا بالصدقات المندوبة . وقال ابن عباس والحسن : إظهار الزكاة أفضل ، وإخفاء صدقة التطوّع أفضل من إظهارها وهو قول الشافعي . وقوله : وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ ، توقّف المفسّرون في حكمة ذكره ، مع العلم بأنّ الصدقة لا تكون إلّا للفقراء ، وأنّ الصدقة المبداة أيضا تعطي للفقراء .