الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
525
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فحصل من تفصيل هذه الحالة أعظم الترقّب لثمرة هذه الجنة كما كان المعطي صدقته في ترقّب لثوابها . فأصابها إعصار ، أي ريح شديدة تقلع الشجر والنبات ، فيها نار أي شدة حرارة - وهي المسمّاة بريح السموم ، فإطلاق لفظ نار على شدة الحر تشبيه بليغ ، فأحرقت الجنّة - أي أشجارها - أي صارت أعوادها يابسة ، فهذا مفاجأة الخيبة في حين رجاء المنفعة . والاستفهام في قوله : أَ يَوَدُّ استفهام إنكار وتحذير كما في قوله : أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [ الحجرات : 12 ] . والهيئة المشبّهة محذوفة وهي هيئة المنفق نفقة متبعة بالمنّ والأذى . روى البخاري أنّ عمر بن الخطاب سأل يوما أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيم ترون هذه الآية نزلت : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ الآية ، فقال بعضهم : « اللّه أعلم » ، فغضب عمر وقال : « قولوا نعلم أو لا نعلم » ، فقال ابن عباس : « في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين » ، فقال عمر : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك » ، قال ابن عباس : « ضربت مثلا لعمل » ، قال عمر : « أيّ عمل » ، قال ابن عباس : « لعمل » ، قال : صدقت ، لرجل غني يعمل بطاعة اللّه ، ثم بعث اللّه عزّ وجل إليه الشيطان لما فني عمره فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله . وقوله : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ تذييل ، أي كهذا البيان الذي فيه تقريب المعقول بالمحسوس بين اللّه نصحا لكم ، رجاء تفكّركم في العواقب حتى لا تكونوا على غفلة . والتشبيه في قوله : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ نحو ما في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] . [ 267 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 267 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 ) إفضاء إلى المقصود وهو الأمر بالصدقات بعد أن قدم بين يديه مواعظ وترغيب وتحذير . وهي طريقة بلاغية في الخطابة والخطاب . فربما قدموا المطلوب ثم جاءوا بما يكسبه قبولا عند السامعين ، وربما قدموا ما يكسب القبول قبل المقصود كما هنا . وهذا من ارتكاب خلاف مقتضى الظاهر في ترتيب الجمل ، ونكتة ذلك أنّه قد شاع بين الناس