الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

526

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الترغيب في الصدقة وتكرّر ذلك في نزول القرآن فصار غرضا دينيا مشهورا ، وكان الاهتمام بإيضاحه والترغيب في أحواله والتنفير من نقائصه أجدر بالبيان . ونظير هذا قول علي في خطبته التي خطبها حين دخل سفيان الغامدي - أحد قواد أهل الشام - بلد الأنبار - وهي من البلاد المطيعة للخليفة علي - وقتلوا عاملها حسان بن حسان البكري : « أما بعد فإنّ من ترك الجهاد رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذل ، وشمله البلاء ، وديّث بالصّغار ، وضرب على قلبه ، وسيم الخسف ، ومنع النّصف . ألا وإنّي قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فو اللّه ما غزي قوم في عقر دارهم إلّا ذلوا ، فتواكلتم . هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنباء » إلخ . وانظر كلمة « الجهاد » في هذه الخطبة فلعل أصلها القتال كما يدل عليه قوله بعده إلى قتال هؤلاء فحرفها قاصد أو غافل ولا إخالها تصدر عن علي رضي اللّه عنه . والأمر يجوز أن يكون للوجوب فتكون الآية في الأمر بالزكاة ، أو للندب وهي في صدقة التطوّع ، أو هو للقدر المشترك في الطلب فتشمل الزكاة وصدقة التطوّع ، والأدلة الأخرى تبيّن حكم كل . والقيد بالطّيّبات يناسب تعميم النفقات . والمراد بالطيّبات خيار الأموال ، فيطلق الطيّب على الأحسن في صنفه . والكسب ما يناله المرء بسعيه كالتجارة والإجارة والغنيمة والصيد . ويطلق الطيّب على المال المكتسب بوجه حلال لا يخالطه ظلم ولا غشّ ، وهو الطيّب عند اللّه كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تصدق بصدقة من كسب طيّب - ولا يقبل اللّه إلّا طيّبا - تلقّاها الرحمن بيمينه » الحديث ، وفي الحديث الآخر : « إنّ اللّه طيّب لا يقبل إلّا طيّبا » . ولم يذكر الطيّبات مع قوله : وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ اكتفاء عنه بتقدم ذكره في قسيمه ، ويظهر أنّ ذلك لم يقيّد بالطيّبات لأنّ قوله : أَخْرَجْنا لَكُمْ أشعر بأنّه مما اكتسبه المرء بعمله بالحرث والغرس ونحو ذلك ، لأنّ الأموال الخبيثة تحصل غالبا من ظلم الناس أو التحيّل عليهم وغشّهم وذلك لا يتأتّى في الثمرات المستخرجة من الأرض غالبا . والمراد بما أخرج من الأرض الزروع والثمار ، فمنه ما يخرج بنفسه ، ومنه ما يعالج بأسبابه كالسقي للشجر والزرع ، ثم يخرجه اللّه بما أوجد من الأسباب العادية . وبعض المفسرين عد المعادن داخلة في مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ . وتجب على المعدن الزكاة عند مالك إذا بلغ مقدار النّصاب ، وفيه ربع العشر . وهو من الأموال المفروضة وليس بزكاة عند أبي حنيفة ، ولذلك قال فيه الخمس . وبعضهم عدّ الركاز داخلا فيما