الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
511
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اللّه تعالى ، وكان الظاهر أن يكون معطوفا على فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ لكنّه ترك عطفه لأنّه جعل كالنتيجة للاستدلال بقوله : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ الآية . [ 260 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 260 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 260 ) معطوف على قوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [ البقرة : 259 ] ، فهو مثال ثالث لقضية قوله : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 257 ] الآية ومثال ثان لقضية أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ فالتقدير : أو هو كإبراهيم إذ قال رب أرني إلخ . فإنّ إبراهيم لفرط محبته الوصول إلى مرتبة المعاينة في دليل البعث رام الانتقال من العلم النظري البرهاني ، إلى العلم الضروري ، فسأل اللّه أن يريه إحياء الموتى بالمحسوس . وانتصب كَيْفَ هنا على الحال مجردة عن الاستفهام ، كانتصابها في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [ آل عمران : 6 ] . وقوله : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ الواو فيه واو الحال ، والهمزة استفهام تقريري على هذه الحالة ، وعامل الحال فعل مقدر دل عليه قوله : أَرِنِي والتقدير : أأريك في حال أنّك لم تؤمن ، وهو تقرير مجازي مراد به لفت عقله إلى دفع هواجس الشك ، فقوله : بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي كلام صدر عن اختباره يقينه وإلفائه سالما من الشك . وقوله : لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي معناه لينبت ويتحقّق علمي وينتقل من معالجة الفكر والنظر إلى بساطة الضرورة بيقين المشاهدة وانكشاف المعلوم انكشافا لا يحتاج إلى معاودة الاستدلال ودفع الشبه عن العقل ، وذلك أنّ حقيقة يطمئن يسكن ، ومصدره الاطمئنان ، واسم المصدر الطّمأنينة ، فهو حقيقة في سكون الأجسام ، . وإطلاقه على استقرار العلم في النفس وانتفاء معالجة الاستدلال أصله مجاز بتشبيه التردّد وعلاج الاستدلال بالاضطراب والحركة ، وشاع ذلك المجاز حتى صار مساويا للحقيقة ، يقال اطمأنّ باله واطمأنّ قلبه . والأظهر أنّ اطمأن وزنه افعلل وأنّه لا قلب فيه ، فالهمزة فيه هي لام الكلمة والميم عين الكلمة ، وهذا قول أبي عمرو وهو البيّن إذ لا داعي إلى القلب ، فإنّ وقوع الهمزة لا ما أكثر وأخف من وقوعها عينا ، وذهب سيبويه إلى أنّ اطأمنّ مقلوب وأصله اطمأنّ وقد سمع طمأنته وطأمنته وأكثر الاستعمال على تقديم الميم على الهمزة ، والذي أوجب