الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
512
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الخلاف عدم سماع المجرد منه إذ لم يسمع طمن . والقلب مراد به العلم إذ القلب لا يضطرب عند الشك ولا يتحرك عند إقامة الدليل وإنّما ذلك للفكر ، وأراد بالاطمئنان العلم المحسوس وانشراح النفس به وقد دلّه اللّه على طريقة يرى بها إحياء الموتى رأي العين . وقوله : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ اعلم أنّ الطير يطلق على الواحد مرادفا لطائر ؛ فإنّه من التسمية بالمصدر وأصلها وصف فأصلها الوحدة ، ولا شك في هذا الإطلاق ، وهو قول أبي عبيدة والأزهري وقطرب ولا وجه للتردّد فيه ، ويطلق على وجمعه أيضا وهو اسم جمع طائر كصحب وصاحب ، وذلك أنّ أصله المصدر والمصدر يجري على الواحد وعلى الجمع . وجيء بمن للتبعيض لدلالة على أنّ الأربعة مختلفة الأنواع ، والظاهر أنّ حكمة التعدّد والاختلاف زيادة في تحقّق أنّ الإحياء لم يكن أهون في بعض الأنواع دون بعض ، فلذلك عدّدت الأنواع ، ولعلّ جعلها أربعة ليكون وضعها على الجهات الأربع : المشرق والمغرب والجنوب والشمال لئلّا يظنّ لبعض الجهات مزيد اختصاص بتأتي الإحياء ، ويجوز أنّ المراد بالأربعة أربعة أجزاء من طير واحد فتكون اللام للعهد إشارة إلى طير حاضر ، أي خذ أربعة من أجزائه ثم ادعهنّ ، والسعي من أنواع المشي لا من أنواع الطيران ، فجعل ذلك آية على أنّهنّ أعيدت إليهن حياة مخالفة للحياة السابقة ، لئلا يظن أنّهن لم يمتن تماما . وذكر كل جبل يدل على أنّه أمر بجعل كل جزء من أجزاء الطير على جبل لأنّ وضعها على الجبال تقوية لتفرق تلك الأجزاء ؛ فإنها فرقت بالفصل من أجسادها وبوضعها في أمكنة متباعدة وعسرة التناول . والجبل قطعة عظيمة من الأرض ذات حجارة وتراب ناتئة تلك القطعة من الأرض المستوية ، وفي الأرض جبال كثيرة متفاوتة الارتفاع ، وفي بعضها مساكن للبشر مثل جبال طيّئ ، وبعضها تعتصم به الناس من العدوّ كما قال السّموأل : لنا جبل يحتلّه من نجيره * منيع يردّ الطّرف وهو كليل ومعنى فَصُرْهُنَّ أدنهن أو أيلهن يقال صاره يصوره ويصيره بمعنى وهو لفظ عربي على الأصح وقيل معرب ، فعن عكرمة أنّه نبطي ، وعن قتادة هو حبشي ، وعن وهب هو