الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

508

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واعلم أنّ العرب تستعمل الصيغتين في التعجّب : يقولون ألم تر إلى كذا ، ويقولون أرأيت مثل كذا أو ككذا ، وقد يقال ألم تر ككذا لأنّهم يقولون لم أر كاليوم في الخير أو في الشر ، وفي الحديث « فلم أره كاليوم منظرا قط » ، وإذا كان ذلك يقال في الخير جاز أن يدخل عليه الاستفهام فتقول : ألم تر كاليوم - في الخير والشر - ، وحيث حذف الفعل المستفهم عنه فلك أن تقدره على الوجهين ، ومال صاحب « الكشاف » إلى تقديره : أرأيت كالذي لأنّه الغالب في التعجّب مع كاف التشبيه . والذي مر على قرية قيل هو أرميا بن حلقيا ، وقيل هو عزير بن شرخيا ( عزرا بن سرّيّا ) . والقرية بيت المقدس في أكثر الأقوال ، والذي يظهر لي أنّه حزقيال ابن بوزي نبيء إسرائيل كان معاصرا لأرميا ودانيال وكان من جملة الذين أسرهم بختنصر إلى بابل في أوائل القرن السادس قبل المسيح ، وذلك أنه لما رأى عزم بختنصر على استئصال اليهود وجمعه آثار الهيكل ليأتي بها إلى بابل ، جمع كتب شريعة موسى وتابوت العهد وعصا موسى ورماها في بئر في أورشليم خشية أن يحرقها بختنصر ، ولعله اتّخذ علامة يعرفها بها وجعلها سرا بينه وبين أنبياء زمانه وورثتهم من الأنبياء . فلما أخرج إلى بابل بقي هنالك وكتب كتابا في مراء رآها وحيا تدل على مصائب اليهود وما يرجى لهم من الخلاص ، وكان آخر ما كتبه في السنة الخامسة والعشرين بعد سبي اليهود ، ولم يعرف له خبر بعد كما ورد في تاريخهم ، ويظن أنّه مات أو قتل . ومن جملة ما كتبه « أخرجني روح الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاما كثيرة وأمّرني عليها وإذا تلك البقعة يابسة فقال لي : أتحيي هذه العظام ؟ فقلت : يا سيدي الرّب أنت تعلم . فقال لي : تنبأ على هذه العظام وقل لها : أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب قال ها أنا ذا أدخل فيكم الروح وأضع عليكم عصبا وأكسوكم لحما وجلدا . فتنبأت ، كما أمرني فتقاربت العظام كل عظم إلى عظمه ، ونظرت وإذا باللحم والعصب كساها وبسط الجلد عليها من فوق ودخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدا » . ولما كانت رؤيا الأنبياء وحيا فلا شكّ أنّ اللّه لما أعاد عمران أورشليم في عهد عزرا النبي في حدود سنة 450 قبل المسيح أحيا النبي حزقيال - عليه السلام - ليرى مصداق نبوته ، وأراه إحياء العظام ، وأراه آية في طعامه وشرابه وحماره - وهذه مخاطبة بين الخالق وبعض أصفيائه على طريق المعجزة - وجعل خبره آية للناس من أهل الإيمان الذين يوقنون بما أخبرهم اللّه تعالى ، أو لقوم أطلعهم اللّه على ذلك من أصفيائه ، أو لأهل القرية التي كان فيها وفقد من بينهم فجاءهم بعد مائة سنة وتحققه من يعرفه بصفاته ، فيكون قوله تعالى : مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ إشارة إلى