الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

509

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قوله : « أخرجني روح الرب وأمّرني عليها » . فقوله : قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ إشارة إلى قوله أتحيي هذه العظام فقلت يا سيدي أنت تعلم لأنّ كلامه هذا ينبئ باستبعاد إحيائها ، ويكون قوله تعالى : فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ إلخ مما زاده القرآن من البيان على ما في كتب اليهود لأنّهم كتبوها بعد مرور أزمنة ، ويظن من هنا أنّه مات في حدود سنة 560 قبل المسيح ، وكان تجديد أورشليم في حدود 458 فتلك مائة سنة تقريبا ، ويكون قوله : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً تذكرة له بتلك النبوءة وهي تجديد مدينة إسرائيل . وقوله : وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها الخاوية : الفارغة من السكان والبناء . والعروش جمع عرش وهو السقف . والظرف مستقر في موضع الحال ، والمعنى أنّها خاوية ساقطة على سقفها وذلك أشدّ الخراب لأنّ أول ما يسقط من البناء السقف ثم تسقط الجدران على تلك السقف . والقرية هي بيت المقدس رآها في نومه كذلك أو رآها حين خربها رسل بختنصر ، والظاهر الأول لأنّه كان ممن سبي مع ( يهويا قيم ) ملك إسرائيل وهو لم يقع التخريب في زمنه بل وقع في زمن ( صدقيا ) أخيه بعد إحدى عشرة سنة . وقوله : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها استفهام إنكار واستبعاد ، وقوله : فَأَماتَهُ اللَّهُ التعقيب فيه بحسب المعقب فلا يلزم أن يكون أماته في وقت قوله : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ . وقد قيل : إنّه نام فأماته اللّه في نومه . وقوله : ثُمَّ بَعَثَهُ أي أحياه وهي حياة خاصة ردّت بها روحه إلى جسده ؛ لأنّ جسده لم يبل كسائر الأنبياء ، وهذا بعث خارق للعادة وهو غير بعث الحشر . وقوله : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ اعتقد ذلك بعلم أودعه اللّه فيه أو لأنّه تذكر أنّه نام في أول النهار ووجد الوقت الذي أفاق فيه آخر نهار . وقوله : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ تفريع على قوله : لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ . والأمر بالنظر أمر للاعتبار أي فانظره في حال أنّه لم يتسنه ، والظاهر أنّ الطعام والشراب كانا معه حين أميت أو كانا موضوعين في قبره إذا كان من أمة أو في بلد يضعون الطعام للموتى المكرّمين كما يفعل المصريون القدماء ، أو كان معه طعام حين خرج فأماته اللّه في نومه كما قيل ذلك . ومعنى لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغيّر ، وأصله مشتق من السّنة لأنّ مر السنين يوجب التغيّر