الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
507
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : قالَ إِبْراهِيمُ مجاوبة فقطعت عن العطف جريا على طريقة حكاية المحاورات ، وقد عدل إبراهيم عن الاعتراض بأنّ هذا ليس من الإحياء المحتجّ به ولا من الإماتة المحتجّ بها ، فأعرض عنه لما علم من مكابرة خصمه وانتقل إلى ما لا يستطيع الخصم انتحاله ، ولذلك بهت ، أي عجز لم يجد معارضة . وبهت فعل مبني للمجهول يقال بهته فبهت بمعنى أعجزه عن الجواب فعجز أو فاجأه بما لم يعرف دفعه قال تعالى : بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ [ الأنبياء : 40 ] وقال عروة العذري : فما هو إلّا أن أراها فجاءة * فأبهت حتى ما أكاد أجيب ومنه البهتان وهو الكذب الفظيع الذي يبهت سامعه . وقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تذييل هو حوصلة الحجة على قوله اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وإنّما انتفى هدي اللّه لقوم الظالمين لأنّ الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمّل من الحجج وإعمال النظر فيما فيه النفع ؛ إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره . والآية دليل على جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقائد ، والقرآن مملوء بذلك ، وأما ما نهي عنه من الجدل فهو جدال المكابرة والتعصّب وترويج الباطل والخطأ . [ 259 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 259 ] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 259 ) تخيير في التشبيه على طريقة التشبيه ، وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] لأنّ قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ [ البقرة : 258 ] في معنى التمثيل والتشبيه كما تقدم ، وهو مراد صاحب « الكشاف » بقوله : « ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ كأنه قيل : أرأيت كالذي حاجّ أو كالذي مرّ » وإذ قد قرّر بالآية قبلها ثبوت انفراد اللّه بالإلهية ، وذلك أصل الإسلام ، أعقب بإثبات البعث الذي إنكاره أصل أهل الإشراك .