الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

483

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

النفس كما في قول لبيد : ترّاك أمكنة إذا لم أرضها * أو يعتلق بعض النّفوس حمامها أراد نفسه ، وعن المخاطب كقولي أبي الطيّب : إذا كان بعض النّاس سيفا لدولة * ففي النّاس بوقات لها وطبول والذي يعيّن المراد في هذا كلّه هو القرينة كانطباق الخبر أو الوصف على واحد كقول طرفة : إذا القوم قالوا من فتى خلت أنّني * عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد وقد جاء على نحو هذه الآية قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [ الإسراء : 54 ، 55 ] عقب قوله : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً - إلى أن قال - وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ - إلى قوله - وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [ الإسراء : 45 ، 55 ] . وهذا إعلام بأن بعض الرسل أفضل من بعض على وجه الإجمال وعدم تعيين الفاضل من المفضول : ذلك أنّ كل فريق اشتركوا في صفة خير لا يخلون من أن يكون بعضهم أفضل من بعض بما للبعض من صفات كمال زائدة على الصفة المشتركة بينهم ، وفي تمييز صفات التفاضل غموض ، وتطرق لتوقّع الخطأ وعروض ، وليس ذلك بسهل على العقول المعرّضة للغفلة والخطأ . فإذا كان التفضيل قد أنبأ به ربّ الجميع ، ومن إليه التفضيل ، فليس من قدر النّاس أن يتصدّوا لوضع الرسل في مراتبهم ، وحسبهم الوقوف عندما ينبئهم اللّه في كتابه أو على لسان رسوله . وهذا مورد الحديث الصحيح « لا تفضّلوا بين الأنبياء » يعني به النهى عن التفضيل التفصيلي ، بخلاف التفضيل على سبيل الإجمال ، كما نقول : الرسل أفضل من الأنبياء الذين ليسوا رسلا . وقد ثبت أنّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الرّسل لما تظاهر من آيات تفضيله وتفضيل الدين الذي جاء به وتفضيل الكتاب الذي أنزل عليه . وهي متقارنة الدلالة تنصيصا وظهورا . إلّا أنّ كثرتها تحصل اليقين بمجموع معانيها عملا بقاعدة كثرة الظواهر تفيد القطع . وأعظمها آية وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [ آل عمران : 81 ] الآية .