الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

484

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأما قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يقولنّ أحدكم أنا خير من يونس بن متّى » يعني بقوله : « أنا » نفسه على أرجح الاحتمالين ، وقوله : « لا تفضّلوني على موسى » ، فذلك صدر قبل أن ينبئه اللّه بأنّه أفضل الخلق عنده . وهذه الدرجات كثيرة عرفنا منها : عموم الرسالة لكافة الناس ، ودوامها طول الدهر ، وختمها للرسالات ، والتأييد بالمعجزة العظيمة التي لا تلتبس بالسحر والشعوذة ، وبدوام تلك المعجزة ، وإمكان أن يشاهدها كل من يؤهّل نفسه لإدراك الإعجاز ، وبابتناء شريعته على رعي المصالح ودرء المفاسد والبلوغ بالنفوس إلى أوج الكمال ، وبتيسير إدانة معانديه له ، وتمليكه أرضهم وديارهم وأموالهم في زمن قصير ، وبجعل نقل معجزته متواترا لا يجهلها إلّا مكابر ، وبمشاهدة أمته لقبره الشريف ، وإمكان اقترابهم منه وائتناسهم به صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد عطف ما دل على نبيئنا على ما دل على موسى - عليهما السلام - لشدة الشبه بين شريعتيهما ، لأنّ شريعة موسى عليه السلام أوسع الشرائع ، ممّا قبلها ، بخلاف شريعة عيسى عليه السلام . وتكليم اللّه موسى هو ما أوحاه إليه بدون واسطة جبريل ، بأن أسمعه كلاما أيقن أنّه صادر بتكوين اللّه ، بأن خلق اللّه أصواتا من لغة موسى تضمنت أصول الشريعة ، وسيجيء بيان ذلك عند قوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] في سورة النساء . وقوله : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ البينات هي المعجزات الظاهرة البيّنة ، وروح القدس هو جبريل ، فإنّ الروح هنا بمعنى الملك الخاص كقوله : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها [ القدر : 4 ] . والقدس بضم القاف وبضم الدال عند أهل الحجاز وسكونها عند بني تميم بمعنى الخلوص والنزاهة ، فإضافة روح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة ، ولذلك يقال الروح القدس ، وقيل القدس اسم اللّه كالقدّوس فإضافة روح إليه إضافة أصلية ، أي روح من ملائكة اللّه . وروح القدس هو جبريل قال تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [ النحل : 102 ] ، وفي الحديث : « إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها » و في الحديث أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لحسان : « اهجهم ومعك روح القدس » . وإنّما وصف عيسى بهذين مع أنّ سائر الرسل أيّدوا بالبيّنات وبروح القدس ، للرد