الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

459

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

جملة : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 244 ] فكانت ذات ثلاثة أغراض . والقرض إسلاف المال ونحوه بنية إرجاع مثله ، ويطلق مجازا على البذل لأجل الجزاء ، فيشمل بهذا المعنى بذل النفس والجسم رجاء الثواب ، ففعل ( يقرض ) مستعمل في حقيقته ومجازه . والاستفهام في قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ مستعمل في التحضيض والتهييج على الاتصاف بالخير كأنّ المستفهم لا يدري من هو أهل هذا الخير والجدير به ، قال طرفة : إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني * عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد و ( ذا ) بعد أسماء الاستفهام قد يكون مستعملا في معناه كما تقول وقد رأيت شخصا لا تعرفه : ( من ذا ) فإذا لم يكن في مقام الكلام شيء يصلح لأن يشار إليه بالاستفهام كان استعمال ( ذا ) بعد اسم الاستفهام للإشارة المجازية بأن يتصوّر المتكلم في ذهنه شخصا موهوما مجهولا صدر منه فعل فهو يسأل عن تعيينه ، وإنما يكون ذلك للاهتمام بالفعل الواقع وتطلّب معرفة فاعله ولكون هذا الاستعمال يلازم ذكر فعل بعد اسم الإشارة ، قال النّحاة كلهم بصريّهم وكوفيّهم : بأن ( ذا ) مع الاستفهام تتحوّل إلى اسم موصول مبهم غير معهود ، فعدّوه اسم موصول ، وبوّب سيبويه في « كتابه » فقال : « باب إجرائهم ذا وحده بمنزلة الذي وليس يكون كالذي إلا مع ( ما ) و ( من ) في الاستفهام فيكون ( ذا ) بمنزلة الذي ويكون ما - أي أو من - حرف الاستفهام وإجراؤهم إياه مع ما - أي أو من - بمنزلة اسم واحد » ومثّله بقوله تعالى : ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [ النحل : 30 ] وبقية أسماء الإشارة مثل اسم ( ذا ) عند الكوفيين ، وأما البصريون فقصروا هذا الاستعمال على ( ذا ) وليس مرادهم أن ذا مع الاستفهام يصير اسم موصول فإنه يكثر في الكلام أن يقع بعده اسم موصول ، كما في هذه الآية ، ولا معنى لوقوع اسمى موصول صلتهما واحدة ، ولكنهم أرادوا أنه يفيد مفاد اسم الموصول ، فيكون ما بعده من فعل أو وصف في معنى صلة الموصول ، وإنما دوّنوا ذلك لأنهم تناسوا ما في استعمال ذا في الاستفهام من المجاز ، فكان تدوينها قليل الجدوى . والوجه أن ( ذا ) في الاستفهام لا يخرج عن كونه للإشارة وإنما هي إشارة مجازية ، والفعل الذي يجيء بعده يكون في موضع الحال ، فوزان قوله تعالى : ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ [ النحل : 24 ] وزان قول يزيد بن ربيعة بن مفرغ يخاطب بغلته :