الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
443
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ظاهر في المذكر ، وقد غفل عن مواقع التذييل في آي القرآن كقوله : أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [ النساء : 128 ] . ومعنى كون العفو أقرب للتقوى : أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق ؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته ، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته ، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد ، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع ، والوازع شرعي وطبيعي ، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة ، فتكون التقوى أقرب إليه ، لكثرة أسبابها فيه . وقوله : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ تذييل ثان ، معطوف على التذييل الذي قبله ، لزيادة الترغيب في العفو بما فيه من التفضل الدنيوي ، وفي الطباع السليمة حب الفضل . فأمروا في هاته الآية بأن يتعاهدوا الفضل ولا ينسوه ؛ لأن نسيانه يباعد بينهم وبينه ، فيضمحل منهم ، وموشك أن يحتاج إلى عفو غيره عنه في واقعة أخرى ، ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب ، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف عند حلول التجربة . والنسيان هنا مستعار للإهمال وقلة الاعتناء كما في قوله تعالى : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [ السجدة : 14 ] وهو كثير في القرآن ، وفي كلمة بَيْنَكُمْ ، إشارة إلى هذا العفو ، إذا لم ينس تعامل الناس به بعضهم مع بعض . وقوله : إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تعليل للترغيب في عدم إهمال الفضل وتعريض بأن في العفو مرضاة اللّه تعالى ، فهو يرى ذلك منا فيجازي عليه ، ونظيره قوله : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ السطور : 48 ] . [ 238 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 238 ] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ( 238 ) الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن لا تلزم له قوة ارتباط ، لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب وتفريع المسائل بعضها على بعض ، ولكنه كتاب تذكير وموعظة فهو مجموع ما نزل من الوحي في هدى الأمة وتشريعها وموعظتها وتعليمها ، فقد يجمع به الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط وتفرع مناسبة ، وربما كفى في ذلك نزول الغرض الثاني عقب الغرض الأول ، أو تكون الآية مأمورا بإلحاقها بموضع معين من