الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
444
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إحدى سور القرآن كما تقدم في المقدمة الثامنة ، ولا يخلو ذلك من مناسبة في المعاني ، أو في انسجام نظم الكلام ، فلعل آية حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ نزلت عقب آيات تشريع العدة والطلاق لسبب اقتضى ذلك من غفلة عن الصلاة الوسطى ، أو استشعار مشقة في المحافظة عليها ، فموقع هذه الآية موقع الجملة المعترضة بين أحكام الطلاق والعدد . وإذا أبيت ألّا تطلب الارتباط فالظاهر أنه لما طال تبيان أحكام كثيرة متوالية : ابتداء من قوله : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ [ البقرة : 215 ] ، جاءت هذه الآية مرتبطة بالتذييل الذي ذيلت به الآية السابقة وهو قوله : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [ البقرة : 237 ] فإن اللّه دعانا إلى خلق حميد ، وهو العفو عن الحقوق ، ولما كان ذلك الخلق قد يعسر على النفس ، لما فيه من ترك ما تحبه من الملائم ، من مال وغيره كالانتقام من الظالم ، وكان في طباع الأنفس الشح ، علمنا اللّه تعالى دواء هذا الداء بدواءين ، أحدهما دنيوي عقلي ، وهو قوله : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ، المذكر بأن العفو يقرب إليك البعيد ، ويصير العدو صديقا وأنك إن عفوت فيوشك أن تقترف ذنبا فيعفى عنك ، إذا تعارف الناس الفضل بينهم ، بخلاف ما إذا أصبحوا لا يتنازلون عن الحق . الدواء الثاني أخروي روحاني : وهو الصلاة التي وصفها اللّه تعالى في آية أخرى بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فلما كانت معينة على التقوى ومكارم الأخلاق ، حث اللّه على المحافظة عليها . ولك أن تقول : لما طال تعاقب الآيات المبينة تشريعات تغلب فيها الحظوظ الدنيوية للمكلفين ، عقبت تلك التشريعات بتشريع تغلب فيه الحظوظ الأخروية ، لكي لا يشتغل الناس بدراسة أحد الصنفين من التشريع عن دراسة الصنف الآخر ، قال البيضاوي : « أمر بالمحافظة عليها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج ، لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها » . وقال بعضهم : « لما ذكر حقوق الناس دلهم على المحافظة على حقوق اللّه » وهو في الجملة مع الإشارة إلى أن في العناية بالصلوات أداء حق الشكر للّه تعالى على ما وجه إلينا من عنايته بأمورنا التي بها قوام نظامنا وقد أومأ إلى ذلك قوله في آخر الآية كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 239 ] أي من قوانين المعاملات النظامية . وعلى هذين الوجهين الآخرين تكون جملة حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ معترضة وموقعها ومعناها مثل موقع قوله : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 45 ] بين جملة يا