الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
403
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأخرى بتسريحهن مقارنا للإحسان ، خيف أن يتوهم أن الأمر بالإحسان عند تسريحهن للوجوب فعقبه بهذا تنبيها على أن الأمر للندب لا للوجوب » . وقوله : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً تصريح بمفهوم فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ إذ الضرار ضد المعروف ، وكأن وجه عطفه مع استفادته من الأمر بضده التشويه بذكر هذا الضد لأنه أكثر أضداد المعروف يقصده الأزواج المخالفون لحكم الإمساك بالمعروف ، مع ما فيه من التأكيد ، ونكتته تقرير المعنى المراد في الذهن بطريقتين غايتهما واحدة وقال الفخر : نكتة عطف النهي على الأمر بالضد في الآية هي أن الأمر لا يقتضي التكرار بخلاف النهي ، وهذه التفرقة بين الأمر والنهي غير مسلمة ، وفيها نزاع في علم الأصول ، ولكنه بناها على أن الفرق بين الأمر والنهي هو مقتضى اللغة . على أن هذا العطف إن قلنا : إن المعروف في الإمساك حيثما تحقق انتفى الضرار ، وحيثما انتفى المعروف تحقق الضرار ، فيصير الضرار مساويا لنقيض المعروف ، فلنا أن نجعل نكتة العطف حينئذ لتأكيد حكم الإمساك بالمعروف : بطريقي إثبات ونفي ، كأنه قيل : ( ولا تمسكوهن إلّا بالمعروف ) ، كما في قول السموأل : تسيل على حد الظّبات نفوسنا * وليست على غير الظّبات تسيل والضرار مصدر ضارّ ، وأصل هذه الصيغة أن تدل على وقوع الفعل من الجانبين ، مثل خاصم ، وقد تستعمل في الدلالة على قوة الفعل مثل : عافاك اللّه ، والظاهر أنها هنا مستعملة للمبالغة في الضر ، تشنيعا على من يقصده بأنه مفحش فيه . ونصب ضِراراً على الحال أو المفعولية لأجله . وقوله : لِتَعْتَدُوا جرّ باللام ولم يعطف بالفاء ؛ لأن الجر باللام هو أصل التعليل ، وحذف مفعول « تعتدوا » ليشمل الاعتداء عليهن وعلى أحكام اللّه تعالى ، فتكون اللام مستعملة في التعليل والعاقبة . والاعتداء على أحكام اللّه لا يكون علة للمسلمين ، فنزل منزلة العلة مجازا في الحصول ، تشنيعا على المخالفين ، فحرف اللام مستعمل في حقيقته ومجازه . وقوله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ جعل ظلمهم نساءهم ظلما لأنفسهم ، لأنه يؤدي إلى اختلال المعاشرة واضطراب حال البيت وفوات المصالح بشغب الأذهان في المخاصمات . وظلم نفسه أيضا بتعريضها لعقاب اللّه في الآخرة .