الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
404
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . عطف هذا النهي على النهي في قوله : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا لزيادة التحذير من صنيعهم في تطويل العدة ، لقصد المضارة ، بأن في ذلك استهزاء بأحكام اللّه التي شرع فيها حق المراجعة ، مريدا رحمة الناس ، فيجب الحذر من أن يجعلوها هزءا . وآيات اللّه هي ما في القرآن من شرائع المراجعة نحو قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [ البقرة : 228 ] إلى قوله وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ البقرة : 230 ] . والهزء بضمتين مصدر هزأ به إذا سخر ولعب ، وهو هنا مصدر بمعنى اسم المفعول ، أي لا تتخذوها مستهزأ به ، ولما كان المخاطب بهذا المؤمنين ، وقد علم أنهم لم يكونوا بالذين يستهزءون بالآيات ، تعين أن الهزء مراد به مجازه وهو الاستخفاف وعدم الرعاية ، لأن المستخف بالشيء المهم يعد لاستخفافه به ، مع العلم بأهميته ، كالساخر واللاعب . وهو تحذير للناس من التوصل بأحكام الشريعة إلى ما يخالف مراد اللّه ، ومقاصد شرعه ، ومن هذا التوصل المنهي عنه ، ما يسمى بالحيل الشرعية بمعنى أنها جارية على صور صحيحة الظاهر ، بمقتضى حكم الشرع ، كمن يهب ماله لزوجه ليلة الحول ليتخلص من وجوب زكاته ، ومن أبعد الأوصاف عنها الوصف بالشرعية . فالمخاطبون بهذه الآيات محذرون أن يجعلوا حكم اللّه في العدة ، الذي قصد منه انتظار الندامة وتذكر حسن المعاشرة ، لعلهما يحملان المطلق على إمساك زوجته حرصا على بقاء المودة والرحمة ، فيغيروا ذلك ويجعلوه وسيلة إلى زيادة النكاية ، وتفاقم الشر والعداوة . وفي « الموطأ » أن رجلا قال لابن عباس : إني طلقت امرأتي مائة طلقة فقال له ابن عباس « بانت منك بثلاث ، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات اللّه هزءا » يريد أنه عمد إلى ما شرعه اللّه من عدد الطلاق ، بحكمة توقع الندامة مرة أولى وثانية ، فجعله سبب نكاية وتغليظ ، حتى اعتقد أنه يضيق على نفسه المراجعة إذ جعله مائة . ثم إن اللّه تعالى بعد أن حذرهم دعاهم بالرغبة فقال : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فذكرهم بما أنعم عليهم بعد الجاهلية بالإسلام ، الذي سماه نعمة كما سماه بذلك في قوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] فكما أنعم عليكم بالانسلاخ عن تلك الضلالة ، فلا ترجعوا إليها