الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

356

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بمنزلة الثّقل الذي يقدمه المسافر . وقوله : لِأَنْفُسِكُمْ متعلق ب قَدِّمُوا ، واللام للعلة أي لأجل أنفسكم أي لنفعها ، وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ تحريض على امتثال الشرع بتجنب المخالفة ، فيدخل تحته التخلي عن السيئات والتحلي بالواجبات والقربات ، فمضمونها أعم من مضمون جملة وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ فلذلك كانت هذه تذييلا . وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ يجمع التحذير والترغيب ، أي فلاقوه بما يرضى به عنكم كقوله : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [ النور : 39 ] وهو عطف على قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ . والملاقاة : مفاعلة من اللقاء وهو الحضور لدى الغير بقصد أو مصادفة . وأصل مادة لقي تقتضي الوقوع بين شيئين فكانت مفيدة معنى المفاعلة بمجردها ، فلذلك كان لقي ولاقى بمعنى واحد ، وإنما أمرهم اللّه بعلم أنهم ملاقوه مع أن المسلمين يعلمون ذلك تنزيلا لعلمهم منزلة العدم في هذا الشأن ، ليزاد من تعليمهم اهتماما بهذا المعلوم وتنافسا فيه على أننا رأينا أن في افتتاح الجملة بكلمة : اعْلَمُوا اهتماما بالخبر واستنصاتا له وهي نقطة عظيمة سيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ في سورة الأنفال [ 24 ] . وقد رتبت الجمل الثلاث الأول على عكس ترتيب حصول مضامينها في الخارج ؛ فإن الظاهر أن يكون الإعلام بملاقاة اللّه هو الحاصل أولا ثم يعقبه الأمر بالتقوى ثم الأمر بأن يقدموا لأنفسهم ، فخولف الظاهر للمبادرة بالأمر بالاستعداد ليوم الجزاء ، وأعقب بالأمر بالتقوى إشعارا بأنها هي الاستعداد ثم ذكّروا بأنهم ملاقو اللّه فجاء ذلك بمنزلة التعليل . وقوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ تعقيب للتحذير بالبشارة ، والمراد : المؤمنون الكاملون وهم الذين يسرون بلقاء اللّه كما جاء : « من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه » ، وذكر هذه البشارة عقب ما تقدم إشارة إلى أن امتثال الأحكام المتقدمة من كمال الإيمان ، وجملة : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ، معطوفة على جملة : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ، على الأظهر من جعل جملة : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ، استئنافا غير معمولة لقل هو أذى ، وإذا جعلت جملة نِساؤُكُمْ من معمول القول كانت جملة قُلْ هُوَ أَذىً [ البقرة : 222 ] معطوفة على جملة : قُلْ هُوَ أَذىً ؛ إذ لا يصح وقوعها مقولا للقول كما اختاره التفتازاني .