الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
357
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 224 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 224 ] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) جملة معطوفة على جملة نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [ البقرة : 223 ] عطف تشريع على تشريع فالمناسبة بين الجملتين تعلق مضمونيهما بأحكام معاشرة الأزواج مع كون مضمون الجملة الأولى منعا من قربان الأزواج في حالة الحيض ، وكون مضمون هذه الجملة تمهيدا لجملة لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [ البقرة : 226 ] ، فوقع هذا التمهيد موقع الاعتراض بين جملة نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ، وجملة لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ وسلك فيه طريق العطف لأنه نهي عطف على نهي في قوله : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [ البقرة : 222 ] . وقال التفتازاني : الأظهر أنه معطوف على مقدر أي امتثلوا ما أمرت به ولا تجعلوا اللّه عرضة ا ه . وفيه تكلف وخلو عن إبداء المناسبة ، وجوز التفتازاني أن يكون معطوفا على الأوامر السابقة وهي وَقَدِّمُوا [ البقرة : 223 ] وَاتَّقُوا [ البقرة : 223 ] وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [ البقرة : 223 ] ا ه أي فالمناسبة أنه لما أمرهم باستحضار يوم لقائه بين لهم شيئا من التقوى دقيق المسلك شديد الخفاء وهو التقوى باحترام الاسم المعظم ؛ فإن التقوى من الأحداث التي إذا تعلقت بالأسماء كان مفادها التعلق بمسمى الاسم لا بلفظه ، لأن الأحكام اللفظية إنما تجري على المدلولات إلا إذا قام دليل على تعلقها بالأسماء مثل سميته محمدا ، فجىء بهذه الآية لبيان ما يترتب على تعظيم اسم اللّه واتقائه في حرمة أسمائه عند الحنث مع بيان ما رخص فيه من الحنث ، أو لبيان التحذير من تعريض اسمه تعالى للاستخفاف بكثرة الحلف حتى لا يضطر إلى الحنث على الوجهين الآتيين ، وبعد هذا التوجيه كله فهو يمنع منه أن مجيء قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [ البقرة : 223 ] مجيء التذييل للأحكام السابقة مانع من اعتبار أن يعطف عليه حكم معتد به ، لأنه يطول به التذييل وشأن التذييل الإيجاز . وقال عبد الحكيم : معطوف على جملة قُلْ [ البقرة : 222 ] بتقدير قل أي : وقل لا تجعلوا اللّه عرضة أو على قوله : وَقَدِّمُوا [ البقرة : 223 ] إن جعل قوله : وَقَدِّمُوا من جملة مقول قُلْ . وذكر جمع من المفسرين عن ابن جريج أنها نزلت حين حلف أبو بكر الصديق ألا ينفق على قريبه مسطح بن أثاثة لمشاركته الذين تكلموا بخبر الإفك عن عائشة رضي اللّه