الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

355

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فأنكر الناس عليه وقالوا : أثفرها فأنزل اللّه تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فعلى تأويل هؤلاء يكون قوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، تشبيها للمرأة بالحرث أي بأرض الحرث وأطلق فَأْتُوا حَرْثَكُمْ على معنى : فاحرثوا في أي مكان شئتم . أقول : قد أجمل كلام اللّه تعالى هنا ، وأبهم وبين المبهمات بمبهمات من جهة أخرى لاحتمال أَمَرَكُمُ اللَّهُ معاني ليس معنى الإيجاب والتشريع منها ، إذ لم يعهد سبق تشريع من اللّه في هذا كما قدمناه ، ثم أتبع بقوله : يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [ البقرة : 222 ] فربما أشعر بأن فعلا في هذا البيان كان يرتكب واللّه يدعو إلى الانكفاف عنه وأتبع بقوله : وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فأشعر بأن فعلا في هذا الشأن قد يلتبس بغير التنزه واللّه يحب التنزه عنه ، مع احتمال المحبة عنه لمعنى التفضيل والتكرمة مثل يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [ التوبة : 108 ] ، واحتمالها لمعنى : ويبغض غير ذلك ، ثم جاء ما هو كالدليل وهو قوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فجعلن حرثا على احتمال وجوه في الشبه ؛ فقد يقال : إنه وكل للمعروف ، وقد يقال : إنه جعل شائعا في المرأة ، فلذلك نيط الحكم بذات النساء كلها ، ثم قال : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فجاء بأنى المحتملة للكيفيات وللأمكنة وهي أصل في الأمكنة ووردت في الكيفيات ، وقد قيل : إنها ترد للأزمنة فاحتمل كونها أمكنة الوصول من هذا الإتيان ، أو أمكنة الورود إلى مكان آخر مقصود فهي أمكنة ابتداء الإتيان أو أمكنة الاستقرار فأجمل في هذا كله إجمال بديع وأثنى ثناء حسن . واختلاف محامل الآية في أنظار المفسرين والفقهاء طوع علم المتأمل ، وفيها أقوال كثيرة ومذاهب مختلفة لفقهاء الأمصار في كتب أحكام القرآن وكتب السنة ، وفي دواوين الفقه ، وقد اقتصرنا على الآثار التي تمت إلى الآية بسبب نزول ، وتركنا ما عداه إلى أفهام العقول . وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ عطف على جملة فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أو على جملة إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ . عطف الإنشاء على الخبر ، على أن الجملة المعطوف عليها وإن كانت خبرا فالمقصود منها الأمر بالتوبة والتطهر ؛ فكرر ذلك اهتماما بالحرص على الأعمال الصالحة بعد الكلام على اللذائذ العاجلة . وحذف مفعول وَقَدِّمُوا اختصارا لظهوره ؛ لأن التقديم هنا إعداد الحسنات فإنها