الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

302

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وبين جزائه عليه حائل . وشمل عموم وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ الأفعال الواجبة والمتطوع بها فيعم النفقات وغيرها . [ 216 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 216 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) المناسبة أن القتال من البأساء التي في قوله : وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ [ البقرة : 214 ] فقد كلفت به الأمم قبلنا ، فقد كلفت بنو إسرائيل بقتال الكنعانيين مع موسى عليه السلام ، وكلفوا بالقتال مع طالوت وهو شاول مع داود ، وكلف ذو القرنين بتعذيب الظالمين من القوم الذين كانوا في جهة المغرب من الأرض . ولفظ كُتِبَ عَلَيْكُمُ من صيغ الوجوب وقد تقدم في آية الوصية . وآل في ( القتال ) للجنس ، ولا يكون القتال إلا للأعداء فهو عام عموما عرفيا أي كتب عليكم قتال عدو الدين . والخطاب للمسلمين ، وأعداؤهم يومئذ المشركون ، لأنهم خالفوهم في الدين وآذوا الرسول والمؤمنين ، فالقتال المأمور به هو الجهاد لإعلاء كلمة اللّه ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غير مأذون في القتال في أول ظهور الإسلام ، ثم أذن له في ذلك بقوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [ الحج : 39 ] ، ثم نزلت آية قتال المبادئين بقتال المسلمين في قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [ البقرة : 190 ] كما تقدم آنفا . هذه الآية نزلت في واقعة سرية عبد اللّه بن جحش كما يأتي ، وذلك في الشهر السابع عشر من الهجرة ، فالآية وردت في هذه السورة مع جملة التشريعات والنظم التي حوتها كقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [ البقرة : 180 ] . فعلى المختار يكون قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ خبرا عن حكم سبق لزيادة تقريره ولينتقل منه إلى قوله وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ الآية ، أو إعادة لإنشاء وجوب القتال زيادة في تأكيده ، أو إنشاء أنفا لوجوب القتال إن كانت هذه أول آية نزلت في هذا المعنى بناء على أن قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا إذن في القتال وإعداد له وليست بموجبة له . وقوله : وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ، حال لازمة وهي يجوز اقترانها بالواو ، ولك أن تجعلها